السبت، 7 ديسمبر 2013

إرم ذات العماد التى لم يخلق مثلها فى البلاد ... ( القصة الحقيقية )




روى الحافظ أبو الشيخ الاصبهاني في كتاب العظمة ( 4 / 1493 الى 1502 طبعة دار العاصمة - الرياض الطبعة الأولى ، 1408 ، بتحقيق رضاء الله بن محمد إدريس المباركفوري ) باب ( 37 ) ذكر إرم ذات العماد : 


( حدثني أبي رحمه الله تعالى حدثنا أحمد بن مهدي حدثنا عبد الله بن صالح قال حدثني عبد الله بن لهيعة عن خالد بن أبي عمران عن وهب بن منبه رحمه الله تعالى عن عبد الله بن قلابة أنه خرج في طلب إبل له نشزت فبينما هو في صحاري عدن أبين والشجر تظله في تلك الفلوات إذ وقع على مدينة في تلك الفلوات عليها حصن حول ذلك الحصن قصور كثيرة وأعلام طوال فلما دنا منها ظن أن فيها أحدا يسأله عن إبله فإذا لا خارج يخرج من باب حصنها ولا داخل يدخل منه فلما رأى ذلك نزل عن ناقته وعقلها ثم استل سيفه ودخل من باب الحصن فلما خلف الحصن إذا هو ببابين عظيمين لم ير في الدنيا شيء أعظم منهما ولا أطول وإذا خشبهما محمر وفي ذينك البابين مسامير من ياقوت أبيض وياقوت أحمر يضيىء ذانك البابان فيما بين الحصن والمدينة فلما رأى ذلك الرجل أعجبه .

وتعاظمه الأمر ففتح أحد البابين ودخل فإذا هو بمدينة لم ير الراؤون مثلها قط وإذا هي قصور قصور على كل قصر معلق تحته أعمدة من زبرجد وياقوت ومن فوق كل قصر منها غرف وفوق الغرف غرف مبنية بالذهب والفضة واللؤلؤ والياقوت والزبرجد وكل مصاريع تلك القصور وتلك الغرف مثل مصراعي باب المدينة من حجر كلها مفصصة بالياقوت الأبيض والياقوت الأحمر متقابلة بعضها ببعض ينور بعضها من بعض .

مفروشة كلها تلك القصور وتلك الغرف باللؤلؤ وبنادق من مسك وزعفران فلما عاين الرجل ما عاين ولم ير فيها أحدا ولا أثر أحد وإنما هو شيء مفروغ منه بناء لم يسكنه أحد ولم ير أثرا لأحد من الناس إلا عصا حديدة أهاله ذلك وأفزعه ثم نظر إلى الأزقة فإذا هو بالشجر في كل زقاق منها قد أثمرت تلك الأشجار كلها وإذا تحت تلك الأشجار أنهار مطردة يجري ماؤها من قنوات من فضة كل قناة منها أشد بياضا من الشمس تجري تلك القنوات تحت الأشجار وداخل الرجل العجب مما رأى وقال والذي بعث محمدا ص - بالحق ما خلق الله تبارك وتعالى مثل هذه الدنيا وإن هذه للجنة التي وصف الله عز و جل ما بقي مما وصف الله تبارك وتعالى شيء إلا وهو في هذه المدينة هذه الجنة الحمد لله الذي أدخلنيها ساهر على ذلك يوامر نفسه ويتدبر رأيه إذ دعته نفسه أن يأخذ من لؤلؤها وياقوتها وزبرجدها ثم يخرج حتى يأتي بلاده ثم يرجع إليها ففعل فحمل معه من لؤلؤها ومن بنادق المسك والزعفران ولم يستطع أن يقلع من زبرجدها شيئا ولا من ياقوتها لأنها مثبتة في أبوابها وجدرانها وكان ذلك اللؤلؤ والبنادق من المسك والزعفران منثورا في تلك الغرف والقصور كلها فأخذ ما أراد وخرج إلى ناقته فحل عقلها وركبها ثم سار راجعا يقفو أثر ناقته حتى رجع إلى اليمين فأظهر ما كان معه فأعلم الناس أمره وما كان من قصته وباع بعض اللؤلؤ وكان ذلك اللؤلؤ قد اصفر من طول مرور الليالي والأيام عليه فلم يزل أمر ذلك الرجل ينمى ويخرج حتى بلغ أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه فأرسل رسولا وكتب إلى صاحب صنعاء يأمره أن يبعث له الرجل ليسأله عما كان من أمره .

 فخرج به رسول معاوية بن أبي سفيان من اليمن حتى قدم به الشام وأمر صاحب صنعاء الرجل أن يخرج ببعض ما جاء به من متاع تلك المدينة فسار الرجل ورسول أمير المؤمنين حتى قدم على معاوية فخلي به أمير المؤمنين وسأله عما رأى وعاين فقص عليه أمر المدينة وما رأى فيها شيئا شيئا فأعظم ذلك معاوية وأنكر ما حدثه وقال ما أظن ما تقول حقا فقال الرجل يا أمير المؤمنين هي من متاعها الذي هو مفروش في قصورها وغرفها وبيوتها قال ماهو قال اللؤلؤ وبنادق المسك والزعفران فقال له معاوية هات حتى أراه فأراه لؤلؤا أصفر من أعظم ما يكون من اللؤلؤ وأراه تلك البنادق فشمها معاوية فلم يجد لها ريحا فأمر بدق بندقةمن تلك البنادق فسطع ريحها مسكا وزعفرانا فصدقه معاوية عند ذلك وقال كيف لي حتى أعلم ما اسم هذه المدينة ومن بناها ولمن كانت فو الله ما أعطي أحد مثل ما أعطي سليمان بن داود على نبينا وما ملك سليمان مثل هذه المدينة فقال بعض جلساء أمير المؤمنين يا أمير المؤمنين إنك لن تجد خبر هذه المدينة عند أحد من أهل الدنيا في زماننا هذا إلا عند كعب الأحبار فإن رأى أمير المؤمنين أن يبعث إليه ويأمر بأن يغيب عنه هذا الرجل فإنه سيخبر أمير المؤمنين بأمرها وأمر هذا الرجل إن كان دخلها لأن مثل هذه المدينة على مثل هذه الصفة لا يستطيع هذا الرجل دخولها إلا أن يكون قد سبق في الكتاب الأول دخوله إياها فابعث إلي كعب فإنه يا أمير المؤمنين لم يخلق الله عز و جل أحدا على ظهر الأرض أعلم منه ولا من مضى من الدهر ولا يكون من بعد اليوم إلا هو في التوراة مفسرا منسوبا معروفا مكانه فليبعث إليه أمير المؤمنين فإنه سيجد خبرها عنده فأرسل معاوية رضي الله عنه إلى كعب الأحبار رحمه الله تعالى فلما أتاه قال له أمير المؤمنين يا أبا إسحاق إني دعوتك لأمر رجوت أن يكون علمه عندك قال كعب يا أمير المؤمنين على الخبير سقطت فسلني عما بدا لك قال أخبرني يا أبا إسحاق هل بلغك أن في الدنيا مدينة مبنية بالذهب والفضة وعمدها زبرجد وياقوت وحصباء قصورها وغرفها اللؤلؤ فيها أجنتها وأنهارها في الأزفة تحت الأشجار والأنهار قال كعب والذي نفس كعب بيده لقد ظننت يا أمير المؤمنين إني سأوسد يميني قبل أن يسألني أحد عن تلك المدينة وما فيها ولمن هي ولكن أخبرك بها ومن بناها ولمن هي أما تلك المدينة فهي حق كما بلغ أمير المؤمنين وعلى ما وصف له وأما صاحبها الذي بناها فشداد بن عاد وأما المدينة فإرم ذات العماد التي وصف الله عز و جل في كتابه المنزل على محمد ص - إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلد وهي كما وصف لك لم يبن مثلها في البلاد فقال معاوية حدثنا بحديثها يا أبا إسحاق يرحمك الله تعالى قال أبو إسحاق أخبرك يا أميرالمؤمينن إن عادا الأولى ليس عاد قوم هود ولكن عاد الأولى إنما هو هود وقوم هود ولد ذلك فكان عاد له ابنان فسمى أحدهما شديدا والآخر شدادا فهلك عاد فبغيا وتجبرا وملكا فقهرا كل البلاد وأخذاها عنوة وقسرا حتى دان لهما جميع القبائل حتى لم يبق أحد من الناس في زمانهما إلا وهو في طاعتهما لا في مشرق الأرض ولا في مغربها وإنه لما صفا لهما ذلك وقر قرارهما مات شديد وبقي شداد فملك وحده ولم ينازعه أحد ودانت له الدنيا كلها بأسرها فكان مولعا بقراءة الكتب الأولى الفانية وكلما مر فيه بذكر الجنة وما سمع مما فيها من البنيان واللؤلؤ والياقوت دعته نفسه أن يقلد تلك الصفة في الدنيا عتوا على الله عز و جل وكبرا فلما وقر ذلك في نفسه والذي يريد أمر بصنعة تلك المدينة إرم ذات العماد وأمر على صنعها مائة قهرمان مع كل قهرمان ألف من الأعوان قال انطلقوا إلى أطيب فلاة في الأرض وأوسعها فاعملوا لي فيها مدينة من ذهب وفضة وياقوت وزبرجد ولؤلؤ تحت تلك المدينة أعمدة من زبرجد وعلى المدينة قصور ومن فوق القصور غرف ومن فوق الغرف غرف واغرسوا تحت القصور في أزقتها أصناف الثمار كلها وأجروا فيها الأنهار حتى يكون تحت الأشجار فإني أسمع في الكتاب صفة الجنة فأنا أحب أن أجعل مثلها في الدنيا أتعجل سكناها فقال له قهارمته وكانوا مائة قهرمان تحت يد كل قهرمان منهم ألف من الأعوان كيف لنا أن نقدر على ما وصفت لنا من الزبرجد والياقوت واللؤلؤ والذهب والفضة تبني مدينة من المدائن كما وصفت لنا متى نقدر على هذا الذهب كله وهذه الفضة فقال لهم شداد أليس تعلمون أن ملك الدنيا كلها بيدي قالوا بلى قال فانطلقوا إلى كل شيء في الدنيا من معدن من معادن الزبرجد والياقوت أو بحر فيه لؤلؤ أو معدن ذهب أو فضة ووكلوا به من كل قوم رجلا يخرج لكم ما كان في كل معدن من تلك البلاد ثم انطلقوا فانظروا إلى ما كان في أيدي الناس من ذلك فخذوه سوى ما يأتيكم به أصحاب المعادن فإن معادن الدنيا أكثر من ذلك وما فيها مما لا تعلمون به أكثر وأعظم مما كلفتم من صنعة هذه المدينة قال فخرجوا من عنده فكتب منه إلى كل ملك في الدنيا يأمره أن يجمع ما في بلاده من جوهرها ويحفر معادنها فانطلق أولئك القهارمة فبعثوا بكل كتاب إلى ملك من تلك الملوك وأخذ كل ملك ما يجد في يديه في ملكه عشر سنين حتى بعث إلى فعلة إرم ذات العماد بما قبله مما سأله من الزبرجد والياقوت واللؤلؤ والذهب والفضة وأخذ القوم في طلبهم له مواضع كلما أرادوا وضعه لهم من البساتين بساتين إرم ذات العماد وإجراء الأنهار وغرس الأشجار وحدودها على ما وصف لهم عشر سنين فقال له معاوية يا أبا إسحاق وكم كان عدد تلك الملوك التي كانت إرم قال كانت مائتين وستين ملكا قسمها بينهم كل ملك منهم على حدة وما عليه من الخراج فقال له معاوية أتمم حديثك يا أبا إسحاق قال فخرج عند ذلك الفعلة والقهارمة فتبددوا في الصحارى ليجدوا ما يوافقه فلم يجدوا ذلك حتى وقفوا على صحراء عظيمة نقية من الجبال والتلال فإذا هم بعيون مطردة فقالوا هذه صفة إرم التي أمرنا بها فعمدوا فأخذوا بقدر الذي أمرهم من العرض والطول ثم جعلوا ذلك بحدود محدودة ثم عمدوا إلى مواضع الأزقة التي فيها الحدود فأجروا فيها قنوات تلك الأنهار ثم وضعوا الأساس من صخور الجزع اليماني وعبوا طين ذلك الأساس من مر ولبان ومحلب فلما فرغوا مما وضعوا من الأساس وأجروا القنوات وأرسلت إليهم الملوك بالزبرجد والياقوت والذهب والفضة واللؤلؤ والجوهر كل ملك قد عمل ما كان في معدنه فمنهم من بعث بالعمد مفروغ منها ومنهم من بعث بالذهب والفضة مفروغ منه مصنوعا فدفعوه إلى تلك القهارمة والوزراء فأقاموا فيها حتى فرغوا من بنائها وهي على تلك العمد وهي قصور من فوق القصور غرف ومن فوق الغرف غرف مبنية بالذهب والفضة والزبرجد والياقوت التي بعث بها الملوك فقال معاوية يا أبا إسحاق والله إني لأحسبهم قد أقاموا في بنائها زمانا من الدهر قال نعم يا أمير المؤمنين إني لأجد مكتوبا في التوراة أنهم أقاموا في بنائها وما أجلهم الملوك في الذي أمرهم من حمل ما في الدنيا إليه من كل زبرجد وياقوت ولؤلؤ وذهب وفضة حتى فرغوا منها أجده مكتوبا ثلاثمائة سنة قال معاوية وكم كان عمر شداد بن عاد صاحبها قال كان عمره تسعمائة سنة قال معاوية يا أبا إسحاق لقد أخبرتنا عجبا فحدثنا قال يا أمير المؤمنين إنما سماها الله تعالى إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد التي لم يعمل مثلها في البلاد للذي فيها من الزبرجد والياقوت وليس في الدنيا مدينة بالزبرجد غيرها ولا ياقوت غيرها فلذلك قال الله عز و جل إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد قال كعب يا أمير المؤمنين إنهم لما أتوه فأخبروه بفراغهم منها قال انطلقوا فاجعلوا عليها حصنا واجعلوا حول الحصن ألف قصر عند كل قصر ألف علم يكون في قصر من تلك القصور وزير من وزرائي ويكون فوق كل علم منها ناطور قال فرجعوا فعملوا تلك القصور والأعلام والحصن ثم أتوه فأخبروه بالفراغ مما أمرهم به قال فأمر ألف وزير من أهل خاصته ومن يثق به أن يتهيأوا إلى النقلة إلى إرم ذات العماد وأمر لتلك الأعلام برجال يسكنونها ويقيمون فيها ليلهم ونهارهم وأمر لهم بالعطاء والأرزاق والجهاز إلى تلك الأعلام قال وأمر الملك من أراد من نسائه وخدمه بالجهاز إلى إرم ذات العماد فأقاموا في جهازهم إليها عشر سنين فسار الملك بمن أراد وخلف من قومه في عدن أبين والشجراء كثر مما سار فلما استقل وسار إليها ليسكنها وبلغها إلا مسيرة يوم وليلة بعث الله عز و جل عليه وعلى من كان معه صيحة من السماء فأهلكتهم جميعا ولم يبق منهم أحد ولم يدخل إرم ذات العماد ولا من كان معه ولم يقدر على أن يدخلها أحد منهم حتى الساعة فهذه صفة إرم ذات العماد يا أمير المؤمنين وسيدخلها رجل من المسلمين يا أمير المؤمنين في زمانك هذا ويرى ما فيها ويحدث بما فيها ولا يصدق قال له معاوية يا أبا إسحاق هل تصفه قال نعم هو رجل أحمر أشقر قصير على حاجبه خال وعلى عنقه خال يخرج ذلك الرجل في طلب إبل له في تلك الصحاري فيقع على إرم ذات العماد فيدخلها ويحمل مما فيها والرجل جالس عندك يا أمير المؤمنين فالتفت كعب فرأى ذلك الرجل فقال هذا ذلك الرجل يا أمير المؤمنين واسأله عما حدثتك به فقال معاوية يا أبا إسحاق هذا من خدمي ولم يبال حتى قال فقد دخلها وإلا فسيدخلها وسيدخلها أهل هذا الدين في آخر الزمان فقال له معاوية لقد فضلك الله تعالى يا أبا إسحاق على غيرك من العلماء ولقد أعطيت من علم الأولين والآخرين ما لم يعط أحد فقال له كعب والذي نفسي بيده ما خلق الله تعالى شيئا إلا وقد فسره في التوراة لعبده موسى على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام تفسيرا يا أمير المؤمنين وإن القرآن لشدة ووعيد وكفى بالله وكيلا وشدة ووعيدا ) ..

ـــــــــــــــــــــــــــــ
من فضاء المعرفة

الجمعة، 6 ديسمبر 2013

قصــة الثــروة في مصـــر ( قــراءة فى كتاب )


قصة الثروة في مصر


http://www.aljazeera.net/file/get/5bf7783b-e801-4988-b6e5-692036da76de


تُعتبر قضية الثروة من بين أبرز محددات حركة المجتمع على مختلف المستويات السياسية والاجتماعية. ومن بين أهم الأمور التي تحدد مدى رشادة أو عدم رشد النظام الحاكم في أي مجتمع هي قضية التوزيع العادل للثروة. ويُعتبر الثراء أحد معالم ومحددات القوة داخل المجتمعات الإنسانية، كما ترسم الثروة معالم وخطوط الطبقات المختلفة للمجتمع، وتحدد -ضمن ما تحدده- مسارات السياسة، باعتبار أن الأخيرة تعني في أبسط معانيها التوزيع السلطوي للقيم.

بين أيدينا كتاب يتناول قضية الثروة والسلطة في مصر، وهو موضوع يكتسب أهمية كبرى في الدراسة والتحليل باعتبار أن أهم سبب أدى إلى اندلاع ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، هو قضية تركز الثروة في أيدي شريحة ضئيلة من أبناء المجتمع، تحكموا بثرواتهم التي أكسبتهم قوة سياسية ونفوذًا هائلين، في الغالبية العظمى من أبناء المجتمع المصري الذين طحنهم الفقر.

مؤلف الكتاب الذي حمل عنوان "قصة الثروة في مصر"، هو الدكتور ياسر ثابت صاحب مدونة "قبل الطوفان" التي نالت جائزة الجمهور كأفضل مدونة عربية للعام 2008 في المسابقة التي نظمتها قناة "دويتشه فيله" الألمانية.

ويستعرض الكتاب قصة الثروة في مصر وعلاقاتها بالحراك السياسي والمجتمعي ومفاصل القوة داخل المجتمع المصري في القرنَيْن الأخيرَيْن، مركزًا على فترة العقود الأخيرة من حكم الرئيسَيْن الراحل أنور السادات والمخلوع حسني مبارك.
ويبدأ الكتاب باستعراض تجربة أول مليونير في مصر، وهو حسن طوبار الذي ظهر في أجواء الحملة الفرنسية، وكان زعيمًا على إقليم المنزلة في محافظة الدقهلية حاليًا، وكان أحد أبرز زعامات المقاومة المصرية ضد الاستعمار الفرنسي الذي هبت ريحه على مصر أواخر القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر.
ويستمر في تناوله لأبرز الرموز الذين ظهروا في عالم المال والأعمال وعالم السياسة في الفترات التالية على هذا التاريخ، ويلاحظ أن الكاتب لم يقتصر في تناوله على سطح الأمور فيما يخص قصص إثراء هؤلاء الرموز، وإنما استغل الفرصة لكي يعرض المجال التاريخي لتطورات الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي كانت تطرأ على مصر بين فترة وأخرى.

ومن بين أبرز هذه الفترات: عهد محمد علي باشا الكبير الذي حكم مصر في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وعصر الخديويِ إسماعيل ابن محمد علي الذي حكم مصر في سبعينيات ذلك القرن.

وفي كلا العصرَيْن، عرفت مصر الكثير من المتغيرات العميقة التي غيرت بنية المجتمع المصري بأكمله، وكان للثروة دور كبير في توجيه هذه المتغيرات، بالتوازي مع العديد من التطورات الأخرى، مثل البعثات التعليمية ومشروعات النهضة التي تبناها كل من محمد علي باشا الكبير وإسماعيل باشا.


تلا تلك الفترة ظهور الاحتلال الإنجليزي لمصر عام 1882، حيث تغيرت بنية المجتمع المصري مرة أخرى، مع صعود القوى التي ارتبطت مصالحها بالاحتلال -سياسيًّا أو اقتصاديًّا- وكذلك بظروف الحروب التي خاضتها مصر في عقود الاحتلال الطويلة، وبالأخص الحربَيْن العالميتَيْن الأولى والثانية.

فهناك العديد من رموز الثروة في مصر الذين ظهروا في تلك الفترات، ارتبط صعودهم السياسي والاقتصادي بعملهم مع الاحتلال البريطاني في مصر وبلاد الشام. ومن بين هؤلاء رجل الصناعة أحمد باشا عبود الذي تخصص في مجال صناعة السكر والنقل البري والبحري وصناعة المنسوجات، وكانت بداية صعوده في زواجه بإحدى بنات أحد الضباط الإنجليز الكبار.
ومن بين أغنياء الحرب أيضًا الذين ظهروا في تلك الفترة، علي باشا شعراوي، والسكاكيني باشا، وعبد الحميد الشواربي، ومحمد شعراوي، والأمير محمد علي إبراهيم.

تجارة القطن والعمل السياسي
 
وأثناء تناوله فترة ما قبل ثورة يوليو 1952 وخروج الاحتلال الإنجليزي من مصر، رصد الكاتب ظاهرة اقتصادية مهمة كان لها أبلغ الأثر على الجانب السياسي والاجتماعي أيضًا، وهي تجارة القطن التي كان لها دور كبير في تهيئة الكثير من رموز المال والأعمال للعمل والاشتغال بالسياسة وممارسة تأثيرهم في هذا الاتجاه. ومن بين هؤلاء محمد أحمد فرغلي باشا، وعلي يحيى باشا، وكلاهما ارتبط مصيره السياسي والإنساني بشكل عام بأسعار القطن ومضارباتها.


ثم قامت ثورة يوليو وتبدلت معها الخريطة السياسية والاجتماعية، وبالتالي مكامن الثروة وعوامل تشكيل مظاهر النفوذ والتأثير، ولكن استمر ظهور بعض رموز الثروة من العهد الملكي. ومن بين هؤلاء عبد اللطيف أبو رجيلة الذي يُعرف بإمبراطور النقل العام في عصره الذهبي، والذي بنى مقر نادي الزمالك في مكانه الحالي في "ميت عُقبة".

البرجوازية المصرية الجديدة
 
كما ظهرت في فترة الخمسينيات والستينيات ما يمكن أن يُطلقَ عليها اسم "البرجوازية المصرية الجديدة"، التي كان من بين أهم رموزها رجل المقاولات والسياسة الشهير عثمان أحمد عثمان الذي يعتبر أحد الرموز المخضرمة للثروة في مصر، حيث بدأ في الستينيات وصعد نجمه بقوة في السبعينيات عبر علاقته بالرئيس الراحل أنور السادات، حيث تزوج ابنه محمود عثمان من جيهان ابنة السادات.


ويعتبر عثمان أحمد عثمان أول ملياردير في مصر وفق تقديرات عديدة، حيث كانت بداياته مع مشروع السد العالي مطلع الستينيات، وتطور به الحال من خلال شبكة من علاقات المصاهرة والنسَب التي جمعت بين رموز سياسية واقتصادية في السبعينيات، مثل عثمان وسيد مرعي وأسرة السادات.
ويتناول الكاتب في هذا الإطار الفساد الذي صاحب عملية تكوين الثروات في مصر خلال السبعينيات وحتى سقوط مبارك في الثورة الشعبية العارمة التي اندلعت في مصر العام الماضي، وقال إن الكثير من الأثرياء "حققوا ثرواتهم في أسواق غير منتجة، وبطرق تعتمد على قنص الريع وتداول الأصول المعروضة، لا الإنتاج والتصنيع الذي يعنى بالدور الاجتماعي للثروة".
ويقول إن الصفقات المالية ذات الأرقام الفلكية كانت تحرك مصر في السنوات الأخيرة لحكم مبارك، حيث أصبح الربح السريع "الوطن الوحيد" لأثرياء جمعوا أموالهم من المضاربة في البورصة أو الاحتكار.

الانفتاح ومليونيرات المعونة الأميركية

ويضيف ثابت أن سياسة الانفتاح الاقتصادي التي انتهجها السادات منذ منتصف السبعينيات، أدت إلى تحولات هائلة في الخريطة الاجتماعية والاقتصادية، وازدادت وطأة الانفتاح في عهد مبارك، في مرحلة سيطرة رجال الأعمال على مفاصل الدولة والحكم، حيث أصبحت الثروة في عهد مبارك لا تعني القيام بالأنشطة الاقتصادية المختلفة، ولكنها تعني بالقدر الأكبر تعبيرًا عن ارتباط الأثرياء بدوائر النفوذ وصناعة القرار.


وبتابع بالقول إن سياسة الانفتاح هذه أدت إلى اتساع الهوة بين الأغنياء والفقراء، وإن تلك المرحلة كانت مفتاحًا لظهور طبقة أسماها "مليونيرات المعونة الأميركية"، حيث تدفقت أموال المعونة على مصر بعد إبرام معاهدة السلام مع إسرائيل عام 1979، وتزامن ذلك مع خصخصة القطاع العام، وتراجع زراعة المحاصيل الإستراتيجية.
ولقد أدت الأوضاع السياسية وتزاوج رأس المال مع السلطة إلى فجوة كبيرة في الدخل والمستوى المعيشي وتوزيع الثروة، وصاحب ذلك الكثير من مظاهر الفساد الاجتماعي والأخلاقي التي تورط فيها رجال الأعمال الذين صاروا هم رجال السياسة أيضًا في عهد مبارك. ومن بين أشهر الأمثلة على ذلك، قضية رجل الأعمال وعضو المكتب السياسي للحزب الوطني المنحل هشام طلعت مصطفى الذي تورط في قتل المطربة اللبنانية سوزان تميم.


كما تتبع المؤلف في السياق ذاته أصل وجذور الكثير من الأسماء والعائلات التي ظهرت في عالم السياسة والنفوذ، انطلاقًا مما تملكه من ثروة في عهد مبارك. ومن بين هؤلاء: رجل الأعمال أحمد بهجت، وعائلة الجمَّال التي تنتسب إليها خديجة الجمَّال زوجة جمال مبارك.

ويؤكد الكاتب في ثنايا الأجزاء التي تناول فيها فترة عصر مبارك، أن هذه الأوضاع التي شجعتها الدولة في عهد حكومتيْ رئيس الوزراء الأسبق أحمد نظيف، الذي يقضي حاليًا أحكامًا بالسجن في قضايا فساد حوكم فيها بعد ثورة 25 يناير، كانت وراء اندلاع الثورة الشعبية التي اكتسحت مبارك ورموز الثروة والفساد الذين كانوا أهم رموز السياسة والنفوذ في مصر خلال العقدين الأخيرين.
وفي الختام، يمكن القول إنه خلف كل حدث يشغل الناس في مصر اليوم، ملايين ومليارات الجنيهات أو الدولارات، وإذا كان البعض يقول إنه عندما يتكلم المال يصمت كل شيء، فإن من الجائز أيضًا القول إنه عندما يتحرك المال يتحرك كل شيء، مثل الخادم المطيع!

مصر إلى المجهول وخارج التاريخ



مشكلة مصر الآن أنها تتحرك في مسار خارج التاريخ، ويُخشى أن تجر العالم العربي وراءها في نهاية المطاف.
(1)
من يطالع الصحف المصرية هذه الأيام ويتابع تصريحات السياسيين التي باتت تتنافس في مغازلة المؤسسة العسكرية والمزايدة على دورها، ربما لا يخطر على باله أن عناوين الصحف وتعليقات محرريها وتصريحات أهل السياسة تكاد تكون صورة طبق الأصل مما كان يتردد في تركيا قبل نصف قرن تقريبا.

ذلك أن أي قارئ لتاريخ عسكرة المجتمع التركي يلاحظ أن الأصوات الداعية إلى تدخل القوات المسلحة لإنقاذ البلد من الفوضى والانهيار كانت تتردد عالية عند كل أزمة سياسية.


 في ظل هشاشة الوضع السياسي وضعفه فإن الجميع كانوا يعتبرون الجيش هو المخلّص والمنقذ، وقد كان له رصيده الذي يسمح له بذلك، لأنه أنقذ البلد من الاحتلال إبان الحرب العالمية الأولى، وهو الذي أسس الجمهورية، وقاد عملية تحديث الدولة، وهي الخلفية التي ظلت توظف لصالح عسكرة المجتمع منذ تأسيس الجمهورية في عشرينيات القرن الماضي، ولنحو ثمانين سنة لاحقة بعد ذلك.

السيناريو المكرر والمحفوظ كانت فصوله تتابع على النحو التالي: الأحزاب الضعيفة تفشل في إدارة الدولة، ترتفع الأصوات داعية إلى قيام الجيش بدور المنقذ، الجيش يقدم إنذارا للحكومة لكي تتحمل مسؤوليتها، بعد الإنذار يعلن الجيش الانقلاب ويتولى إدارة البلاد وترتيب الأوضاع المنفلتة.

ولا تكاد تستمر بضع سنوات (عشر في الأغلب) حتى تتكرر الأزمة وتتردد الأصوات والدعوات ذاتها، ثم يتقدم الجيش بإنذاره الذي يعقبه التدخل لاستلام السلطة باعتباره المؤسسة الوحيدة المنضبطة والمتماسكة، والتي تمتلك قوة السلاح على الأرض.

وهذا ما تكرر مع الانقلابات التي توالت عام 1960، ثم عام 1971 وعام 1980، وصولا إلى انقلاب عام 1997 الذي وصف بأنه انقلاب ناعم، أو ما بعد حداثي.

وكانت نقطة الانطلاق في كل تلك الانقلابات أن الجيش اعتبر نفسه مسؤولا عن حماية مبادئ الجمهورية التركية إلى جانب وظيفته في حماية الوطن.

وبمقتضى تلك المسؤولية فإنه فرض نفسه وصيا على المجتمع، وقد قنن دستور عام 1982 تلك الوصاية التي باشرها مجلس الأمن الوطني الذي شكل مكاتب استشارية لمختلف شؤون البلاد العسكرية والسياسية والأمنية والاقتصادية والثقافية والإعلامية وغيرها.

وقد جرى استنفار المؤسسة العسكرية بعد انتخابات عام 1995 التي حققت فوزا نسبيا لحزب الرفاة ذي الخلفية الإسلامية، مما أدى إلى تشكيل حكومة ائتلافية مع حزب الطريق القويم، رأسها آنذاك زعيم الرفاه نجم الدين أربكان، فردت القيادة العسكرية باستنهاض أصابعها المنتشرة في مفاصل الدولة وسلطة القرار، إلى أن أجبرت أربكان على الاستقالة من منصبه في عام 1997.

(2)
الرياح التي تهب على مصر منذ عزل محمد مرسي تمضي في ذات الاتجاه المعاكس للتاريخ، ذلك أنه بعد إنهاء مهمة المجلس العسكري في عام 2012، وانتعاش الآمال التي علقت على إمكانية التحول الديمقراطي وإقامة مؤسسات إدارة المجتمع، تبدد ذلك كله في الثالث من يوليو/تموز الماضي، بعدما تم عزل الرئيس المنتخب، وجمِّد الدستور وحُل مجلس الشورى وغيره من المجالس التي كان قد تم تشكيلها، وبدا الاتجاه واضحا في المراهنة على المؤسسة العسكرية وتعزيز قوة الدولة في مواجهة المجتمع.
وفي هذه الأجواء جرى الإعداد لاستصدار دستور جديد من خلال مجموعة مختارة وليست منتخبة، وأصبحت المؤسسة العسكرية بحكم الأمر الواقع هي مصدر السلطات وصاحبة القرار في تشكيل الوضع المستجد


 في ذلك فإنها لم تفرض نفسها على المجتمع ولكن الذي حدث أن خطاها لقيت تأييدا وترحيبا من النخب والقوى المدنية باختلاف توجهاتها، الليبرالية والقومية واليسارية، وكانت وسائل الإعلام هي القوة الضاربة، التي نجحت في "تصنيع الموافقة" على حد تعبير تشومسكي، حين استثمرت إخفاقات حكم محمد مرسي في تعبئة الجماهير وتحريضها ضد نظامه، ووقوفها بالتالي إلى جانب معسكر المراهنة على المؤسسة العسكرية.

في ظل الوضع المستجد أصبح الفريق عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع والقائد العام للقوات المسلحة هو مرشح رئاسة الجمهورية الذي التفت حوله القوى المدنية، واكتسب حضور القوات المسلحة في اللجنة المعنية بوضع الدستور أهمية خاصة، حيث أثير لغط حول حصانة وزير الدفاع واشتراط موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة على تعيينه، الأمر الذي يسحب تلك السلطة من رئيس الدولة أو رئيس الحكومة.

وكحل وسط اقترحت فكرة تطبيق ذلك المبدأ خلال فترة انتقالية تتراوح بين عشر واثنتي عشرة سنة، وجرى التمسك بمبدأ محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية، التي هي ليست محاكم مستقلة أصلا، لكنها خاضعة لأمر وزير الدفاع.

في هذه الأجواء قرأنا في جريدة "الشروق" (عدد 5/10) تصريحات مهمة لمصدر عسكري ذكر رئيس تحرير الجريدة أنه قريب من المؤسسة العسكرية، وركز في تصريحاته على ما يلى:

- إن خبرة السنوات الأخيرة أثبتت للجميع أن الجيش هو القوة الوحيدة الموجودة على أرض مصر في الوقت الراهن ولفترة مقبلة، وذلك بسبب ضعف معظم الأحزاب السياسية المدنية، وبالتالي لابد أن نعطي هذا الجيش أدوات تساعده على حفظ البلاد، كي لا تصبح فريسة لأى تنظيم أو جماعة منظمة تريد تغيير هوية مصر بأكملها.

- إن ظروف مصر لا تسمح بتسليم الجيش لرئيس لا نعرفه، والمنطقي ألا يفقد الشعب السلاح الذي يملكه وهو جيشه الوطني، ولا نريد أن نواجه احتمال أن يصل شخص متنكر في زي مدنى إلى الرئاسة، ويعين من يشاء وزيرا للدفاع، الأمر الذي قد ينتهي بتغيير هوية الجيش، لأن ذلك الوزير سيتولى تعيين قادة الأفرع والمناطق والجيوش. وهو ما قد يصل بنا إلى تغيير وضع القوات المسلحة لكي تتحول من مؤسسة وطنية جامعة إلى مليشيا خاصة لجماعة أو حزب.

لم تذكر جريدة "الشروق" أن المصدر العسكري يتحدث باسم القوات المسلحة، لكنه عند الحد الأدنى يعبر عن مدرسة أو تيار داخل القوات المسلحة يعتبر أن الجيش هو القوة الوحيدة والسلطة الأعلى في الساحة السياسية المصرية، ثم من موقفه المعارض لتجربة الإخوان وكل ما يشغله هو تجنب تكرار تلك التجربة، بدعوى أنها يمكن أن تؤثر على هوية القوات المسلحة، أما هوية الوطن ومصالحه العليا فهي مسألة في المرتبة التالية من الأهمية.

(3)

حين يستمر تمدد المؤسسة العسكرية في الفراغ السياسي الراهن ويتصاعد دورها على نحو لم تعد تخطئه عين، فذلك يعني أن مصر صارت تتحرك خارج مجرى التاريخ.

عند الحد الأدنى فهو يعني أن حلم الدولة المدنية الديمقراطية الذي تطلعت إليه ثورة 25 يناير في حالة تراجع وانحسار بحيث لا تكاد توحى المقدمات الملموسة بإمكانية تحقيق شيء منه في الأجل المنظور.

إن البناء الذي تجري إقامته الآن في مصر يعاني من خلل فادح في موازين القوة وفي الرؤى، ذلك أنه يتم في ظل قوة وهيمنة المؤسسة العسكرية، وفي ظل مؤسسات مختارة من فئات لا يجمع بينها سوى رفض الإخوان ومخاصمتهم، وهؤلاء يمثلون جماعات سياسية هشة لا جمهور لها، حتى باتت تستمد شرعيتها من الاستناد إلى قوة المؤسسة العسكرية والتعلق بأهدابها.

وذلك يمثل جوهر الأزمة السياسية في مصر الراهنة، ذلك أن هذا البلد الكبير لا يستطيع أن يقيم بناءه على أساس من تحالف الليبراليين مع العسكر، ولا يستطيع أن يقيم مشروعه على مجرد فكرة إقصاء الإخوان ومواصلة الحرب ضد الإرهاب، وهو ما لاحظته تحليلات غربية عدة ما فتئت تتحدث عن أن مصر تتجه نحو المجهول بعدما تراجع وزنها السياسي وما عاد لها دور يُذكر في الشأن الإقليم


 يس ذلك فحسب، ولكن مصر في ضعفها تجد نفسها مستسلمة لمخططات التعاون الأمني وغير الأمني مع إسرائيل خصوصا أن المؤسسة العسكرية تعد أبرز أركان اتفاقية كامب ديفيد.

وربما دفعها المأزق الدولي الذي تواجهه إلى مزيد من التقارب والتفاعل مع إسرائيل، التي يُعد النظام الحالي طرفا مريحا ومطمئنا لها، بعكس نظام الرئيس مرسي الذي كانت تتوجس منه ولا تطمئن إليه.

هذا الضعف ذاته المقترن بالحيرة والبلبلة التي تعانى منها الرؤية الإستراتيجية للوضع المستجد، دفع مصر إلى الارتماء في أحضان تحالفات عربية مخاصمة للربيع في مجمله ولها ارتباطاتها وولاءاتها التي تتعارض مع أهداف الثورة وأشواق الجماهير العربية.

وحين يحدث ذلك في حين تتعرض المنطقة العربية لهزات كبرى من شأنها إعادة رسم خرائطها وإخضاعها لمشروعات التفتيت والتقسيم، فإن ذلك يكشف عن فداحة الثمن الذي يمكن أن يدفعه العالم العربي جراء الهزة والانتكاسة التي حلت بمصر.

 
(4)

ليست الصورة محبطة بالكامل، لأن الصدمات والهزات التي تعاني منها أنظمة الربيع العربي تكاد تكون محصورة في الجزء الظاهر من تجليات ذلك الربيع، لكن هناك جزءا غاطسا منه لم يفقد حيويته بعد.

وكنت ممن سبق لهم القول إن الربيع في حقيقته هو تحول تاريخي في بنية الإنسان العربي الذي بات ينشد التغيير وأعلن رفضه للظلم السياسي والاجتماعي الذي فرضته عليه الأنظمة.

وهذا الذي عبرت عنه سجله تقرير لصحيفة نيويورك تايمز في تقرير نشرته في 18 أكتوبر/تشرين الأول الحالي تحدث عن مظاهر الحراك الجماهيري المسكوت عليه الذي تشهده دول الخليج العربي جميعها، وفي المقدمة منها المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية.

وقد كتب التقرير أحد أساتذة العلوم السياسية في جامعة دورهام البريطانية، كريستوفر دافيدسون، وتخير له عنوانا دالا هو: نهاية المشيخات.

إن مصر إذ تخسر نفسها بأدائها الراهن، فإنها قد تسحب معها العالم العربي أيضا، لكنها وهي تقف خارج مجرى التاريخ، لن تستطيع أن توقف عجلة التاريخ، وتلك من سُنَن الله في الكون، التي عبر عنها النص القرآني القائل "وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم، ثم لا يكونوا أمثالكم" (الآية 38 من سورة محمد).


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كنبه بالجزيرة نت فهمى هويدى 

الأفق المسدود للأزمة المصرية ... ؟؟؟




إذا استمرت مواقف أطراف الأزمة في مصر كما هي عليه الآن، فسوف نحتاج إلى معجزة لكي نجتازها بسلام.

(1)
التطور "الإيجابي" الذي حدث خلال الأيام العشرة الأخيرة أننا انتقلنا من مرحلة إنكار الأزمة إلى الاعتراف بوجودها. لكن التباين بدا واضحا في أداء مختلف الأطراف إزاء كيفية الخروج منها.
ففي حين دعا بعض الشخصيات الأجنبية للتدخل في الأمر ومحاولة البحث عن مخرج، فإن بعض أصوات الداخل اختلفت في تكييف الأزمة والمخرج.


فمن قائل إن البحث يدور حول صفقة، وآخر يتحدث عن وساطة، وثالث يلوح بفكرة المصالحة، ورابع يستبعد كل ما سبق ويحاول إقناعنا بأن الجهد المبذول له هدف واحد هو تبصير الإخوان وحلفائهم بأن ثمة وضعا مستجدا لا رجعة فيه، وعليهم أن ينطلقوا من التسليم بذلك، مما يعني أن مهمة الوسطاء أو المبعوثين استهدفت مخاطبة طرف دون آخر، وهو ما دعا بعض المحللين الغربيين إلى وصف المشهد الراهن في مصر بأنه "مرتبك" (روبرت فيسك في الإندبندنت البريطانية 8/8).


أجواء الارتباك استصحبت حالة من البلبلة والحيرة روج لها الفلتان الإعلامي المشكوك في براءته، الأمر الذي فتح الباب لهجوم شرس على فكرة الديمقراطية والتعددية والوفاق الوطني، وهو ما اقترن بدعوات مبطنة وصريحة إلى الفاشية والاقصاء، وفرض حالة الطوارئ، وإعادة إنتاج حملة الحرب على الإرهاب.
وهو ما دعاني في وقت سابق إلى طرح السؤال التالي: هل نقتل المعارضين في مصر أم لا؟ (الشروق 4/8) وهو سؤال من وحي المشهد العبثي الذي صرنا إليه، والذي استدعى إلى الواجهة مناقشة بعض البديهيات التي تبدو وكأنها محاولة لاختراع العجلة من جديد.

ذلك أننا ما عدنا متفقين حول حق المخالف ليس في التعبير عن نفسه، بل حقه في الوجود من الأساس.
وما عدنا متفقين على مبدأ المصالحة الوطنية التي تتم على قاعدة التوافق وليس القهر والإملاء، بل إن بعضنا -بمن فيهم عدد غير قليل من المثقفين- أصبح يعتبر أن الشعب يضم فقط الذين عارضوا الدكتور محمد مرسي، وأن الذين أيدوه ليسوا من الشعب، الأمر الذي دعاني إلى التساؤل في أكثر من مقام ومناسبة عما إذا كنا راغبين حقا في العيش المشترك تحت سقف الوطن الواحد، أم أن هذه أصبحت مسألة تتعدد فيها الاجتهادات وتختلف وجهات النظر.
(2)
إذا جاز لنا أن نصف الوضع الراهن في مصر فسوف نرصد فيه الملامح التالية:

بعد الاعتراف بوجود أزمة، فإن طرفيها -قيادة القوات المسلحة والإخوان- لا يزالان يتحركان بطلبات الحد الأقصى للخروج منها، القيادة العسكرية تتحدث عن ضرورة التسليم بما جرى والبناء عليه، مستندة في ذلك إلى شرعية الحشود الرافضة للدكتور مرسي، وإلى قوتها الميدانية على الأرض.
والإخوان ينطلقون من التأكيد على شرعية الدكتور محمد مرسي استنادا إلى نتائج الانتخابات الحرة التي أتت به، كما يتكئون على حشودهم الموجودة في الشارع منذ شهر ونصف الشهر.

والحاصل أن القيادة العسكرية ما برحت تتحدث عن أنه لا تراجع "ولو إلى مليمتر واحد" عن خارطة الطريق التي تحدث عنها الفريق السيسي في بيان 3 يوليو/تموز 2013 الذي عزل فيه الرئيس مرسي.

ومن ثم صارت تتمسك بأن المرونة والتراجع مطلوبان من الإخوان وحدهم.

في الوقت ذاته، فمظاهر الارتباك واضحة في الجانب المتعلق بالسلطة. ففي حين يتحدث الدكتور محمد البرادعي نائب الرئيس بلغة تصالحية تحاول احتواء الإخوان، ويتعرض جراء ذلك لهجوم شديد وصل حد اتهامه بأنه أصبح يشكل خطرا على الأمن القومي، فإن جريدة "الشروق" خرجت علينا في 10 أغسطس/آب الجاري (2013) بتقرير ذكرت فيه أن التنسيق يتم على أعلى مستوى بينه وبين الفريق السيسي لتجنيب البلاد الانزلاق إلى الفوضى.

وفي حين أعلنت رئاسة الجمهورية في 7 أغسطس/آب الجاري (2013) أن الجهود الدبلوماسية التي استهدفت التوسط بين الطرفين تمت بموافقة وتنسيق كامل مع الحكومة، فإن الدكتور زياد بهاء الدين نائب رئيس الوزراء قال في تصريح منشور إن الحكومة لا علم لها بالموضوع. 


وفي حين قال بيان الرئاسة السابق الذكر إن مرحلة الجهود الدبلوماسية انتهت، وحمل الإخوان مسؤولية فشل تلك الجهود فإن المتحدث باسم البيت الأبيض أعلن في 9 أغسطس/آب الجاري (2013) عن أن واشنطن ستواصل جهودها من أجل المصالحة والتسوية في مصر.

نلاحظ ذلك الارتباك أيضا في الجانب المتعلق بالإخوان والتحالف الذي تشكل للدفاع عن الشرعية.

فالمؤيدون المعتصمون في محيط رابعة وميدان النهضة يطالبون تارة بعودة الدكتور مرسي إلى منصبه، ويتحدثون تارة أخرى عن الدفاع عن الإسلام ويعربون عن الاستعداد لتقديم مليون شهيد لأجل ذلك.

وفي حين ثالثة يعلنون أنهم يدافعون عن الديمقراطية. وفي هذا وذاك فإنهم يرفضون الاعتراف بالأمر الواقع ولا يقدمون بديلا، رافضين الاعتراف بأمرين هما: تراجع شعبية الإخوان وخسارة جولة المواجهة مع قيادة القوات المسلحة، التي قامت بالانقلاب مؤيدة في ذلك من جانب نسبة عالية من التأييد الشعبي.

حضور قيادة القوات المسلحة في قلب المشهد السياسي ووراء أهم قراراته، الأمر الذى يمثل طورا جديدا وخطيرا في مجمل أدائه. وليست هذه هي النقلة الوحيدة، لأن الجيش حين تدخل في ظل الانقسام الوطني فإنه صار منحازا -لأول مرة- إلى جانب طرف دون طرف آخر. وهو ما أفقده حياده التقليدي والتاريخي.

-بوسع المراقب أيضا أن يلاحظ بروز تيار إقصائي واستئصالي في هيكل السلطة الجديدة، وتشير مختلف القرائن إلى أن ذلك التيار له وجوده المؤثر في ثلاث دوائر على الأقل هي:

- في محيط قيادة القوات المسلحة ذاتها.
- عناصر جهاز أمن الدولة القديم، الذي أعلن وزير الداخلية عن إعادة عناصره إلى مواقعهم التي كانوا قد استبعدوا منها.
- أوساط فلول النظام القديم المنتشرون في مفاصل الدولة ووسائل الإعلام إضافة إلى حضورهم المؤثر في المجال الاقتصادي.

استند النظام الجديد على تأييد شعبي واسع لا ريب، لكنه من الناحية المؤسسية أصبح يتكئ على تحالف معلن بحكم الأمر الواقع بين العسكر وبين قطاع عريض من القوى المدنية والليبرالية، التي أدركت أنه ما كان لها أن تستعيد نفوذها في إدارة البلاد دون مساندة وتدخل القوات المسلحة، خصوصا أنها أصبحت مقتنعة بأنها ليست مؤهلة بعد للفوز في الانتخابات البرلمانية، ولم يعد سرا أن الطرفين يحظيان بتأييد غير معلن -بل معلن أحيانا- من جانب أركان وأعوان نظام مبارك.
(3)
هذه الخلفية تسوغ لنا أن نقول إننا إزاء طريق مسدود ومشكلة لا حل لها. ذلك أن دعوات الحوار أو المصالحة تفترض استعداد الأطراف المختلفة لتبني قدر من المرونة في مواقفها، وذلك مستبعد تماما من جانب قيادة القوات المسلحة -كما سبقت الإشارة- فضلا عن أنه مشكوك فيه فيما خص الإخوان.


وحين يطالب طرف بالمرونة في حين يبارك تصلب وتشدد طرف آخر، فإننا نكون بصدد دعوة للإخضاع والإذعان. ويزداد الأمر صعوبة إذا ما تمسك كل طرف بورقة الشرعية التي يستند إليها معتبرا أنها الأصل والأساس، وأن شرعية الآخر إما منسوخة أو غير معترف بها.

إن المسؤولين في الوضع المستجد يتحدثون عن حوار لا يقصي أحدا، لكننا نلاحظ أن ممارسات الواقع تمضي باتجاه معاكس تماما، فلا شروط نجاح الحوار متوفرة، ولا أجواؤه مواتية.

ذلك أنه إذا كان مطلوبا من الطرف الآخر الانصياع والتسليم بكل ما تم، فإن "الحوار" يصبح محسوما قبل أن يبدأ، ومن ثم لا تكون هناك حاجة إليه.

ثم إن الحوار لا يمكن أن يكتب له النجاح أو يكون له أي مردود إيجابي في حين تتم شيطنة الطرف الآخر ليل نهار في وسائل الإعلام، كما أن رموزه موزعون على مختلف السجون، وجميعهم نسبت إليهم تهم ملفقة من ذلك القبيل الذي خبرناه في زمن دولة مبارك البوليسية.

بكلام آخر، فإن الحوار يفقد معناه إذا كان أحد طرفيه فاقدا لحريته، ويتعرض للقمع والاغتيال السياسي والمعنوي من جانب أجهزة الأمن وميليشيات الإعلام، وذلك ما أعنيه بالنسبة للأجواء المواتية.

إذ غني عن البيان أن الحوار ينبغي أن تسبقه إجراءات لتبادل الثقة، ومبادرات لحسن النية، تتكئ على وقف الإجراءات البوليسية والقمعية، ووقف حملات التحريض والتشويه الإعلامية.
(4)
لا نبالغ إذا قلنا إنه في ظل الظروف الراهنة، فإن أي حوار بين الإخوان والعسكر محكوم عليه بالفشل، لأن نقطة الانطلاق التي يبني عليها كل طرف موقفه من الشرعية مرفوضة بالكامل من الطرف الآخر.
فالإخوان يرفضون فكرة الإقرار بخروج الرئيس مرسي من المشهد، والعسكر يرفضون أي حضور رمزي ومؤقت له، حتى إذا كان الهدف منه تفويض رئيس الحكومة في سلطاته كما اقترحت بعض المبادرات. وهو ما يضعنا بإزاء معادلة صفرية، ينفي بمقتضاها كل طرف الآخر، ولا يجد نفسه مضطرا لأن يقدم أي تنازل له.

 د الموقف تعقيدا وصعوبة إذا أدركنا أن عمق الاستقطاب في مصر كاد يلغي وجود أي مؤسسة مستقلة تقف خارج الاستقطاب، يمكن أن تقوم بالوساطة بين الطرفين. صحيح أننا لا نعدم أناسا مستقلين ومحترمين، ولكن هؤلاء ليس لهم وضع مؤسسي يؤهلهم للقيام بهذا الدور.

وأغلب الظن أن هذا الاعتبار يكمن وراء حرص بعض أركان السلطة في مصر على دعوة شخصيات من خارج مصر لمحاولة مد الجسور وتيسير الحوار بين الطرفين، بما يكفل التوصل إلى هامش المرونة المقبول والمحتمل من جانب كل طرف.

على صعيد آخر، فإننا يجب أن نعترف بصعوبة الموقف في ظل خصوصية الحالة المصرية، لأن الحوار المفترض لا يجري بين سياسيين، حيث الطرف الآخر فيه هو قيادة القوات المسلحة التي تمثل مركز القوة في السلطة. وهو ما يقربنا من الحالة الجزائرية التي أغلق في ظلها باب الحوار، وأصر الجيش على إخضاع جبهة الإنقاذ الفائزة في الانتخابات، الأمر الذي أدى إلى انفلات الموقف، وأسفر عن سقوط أكثر من ربع مليون قتيل في نهاية المطاف. وهو ما أرجو أن تكون جماعتنا على وعي به.


ـــــــــــــــــــــــ
كنبه بالجزيرة / فهمى هويدى 
 

متى يُحـاكَــم السيسـي ... ؟؟؟



هل يمكن أن يتصور عقل سيناريو نجاة قائد الانقلاب وزير الدفاع المصري عبد الفتاح السيسي -وزمرته من قادة الانقلاب الدموي، سياسيين وعسكريين وحزبيين- من تبعات المذبحة الكبرى التي اقترفت بدم بارد في شوارع وميادين مصر العزيزة خلال الأيام القليلة الماضية، ولا تزال رحاها دائرة حتى اللحظة؟

(1)
لم يكن أحد يتخيل حجم الأحداث المروعة التي زلزلت مصر حتى في أشد الكوابيس سوءا: مذبحة هائلة، صور مذهلة أدمت القلوب، آلاف القتلى والجرحى في الشوارع والطرقات، فتح النار وإطلاق الرصاص والقنابل القاتلة وقنابل الغاز السام بشكل مهول ومتواصل بشع، استخدام القناصة المجرمين في محيط الميادين، إطلاق النار من المروحيات، إحراق الجثث بشكل تنفر منه كل القيم والمعاني الإنسانية، حرق وتدمير خيام المعتصمين المسالمين، مهاجمة وإحراق الكنائس وإلصاق التهمة بمؤيدي الشرعية، اقتحام وإحراق المساجد لإخفاء بعض معالم الجريمة، قطع مختلف أشكال البث الإعلامي عن ميادين الاعتصام، منع سيارات الإسعاف من نقل الجرحى والمصابين، ونشر المدرعات والبلدوزرات لسحق عظام المدنيين الأبرياء دون رحمة.
كلها مفردات متواضعة، وعينات بسيطة تحاول مقاربة حجم الكارثة التي صبت حمم نيرانها على صدور الأبرياء المسالمين في مصر، واستسهلت سفك دمائهم وإزهاق أرواحهم، في مشاهد مأساوية عزّ نظيرها في العصر الحديث.

الفاجعة التي تتجدد مشاهدها الاستئصالية بشكل يومي في مصر العروبة والإسلام أحيت همجية وجرائم التتار، وأعادت إلى الذاكرة الجرائم الكبرى التي ارتكبها بعض من ينتسبون -زورا وبهتانا- إلى صف الأمة، وخياناتهم التاريخية للقيم العروبية والإسلامية النبيلة التي تميزت بها أمتنا عن سائر الأمم، وخروجهم تماما عن دائرة التصور البشري والسلوك الإنساني.

لكن التاريخ أنصف أولئك وهؤلاء، فوصمهم بالجبن والخسة، ونعتهم بالنذالة والعار، وحفر لهم موقعهم الدونيّ الخالد الذي يليق بجرمهم وانحطاطهم، في مزابله الحافلة: مزابل التاريخ.
(2)
حين توضع المذبحة الكبرى التي جرت فصولها في مصر خلال الأيام الماضية في ميزان القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني فإنها تعتبر جرائم حرب، وجرائم إبادة جماعية، وجرائم ضد الإنسانية دون جدال.

لم أجد أشد غباء من السيسي وزمرته الذين قادوا أنفسهم بكل خفّة وسذاجة وانعدام وعي إلى المقصلة، فما جرى في مصر واضح في جرمه وبشاعته وإبادته للحق والقيمة الإنسانية وضوح الشمس في رابعة النهار، ويشكل جريمة موثقة ومكتملة الأركان بالتمام والكمال، ولا تشوب أمرها أدنى شبهة شك أو جدال.
لقد تضافرت كل الأدلة والشواهد السياسية والأمنية والميدانية على إدانة رؤوس الفتنة والانقلاب، فالتصريحات الصريحة، والأوامر السياسية والأمنية المباشرة التي صدرت عن السيسي وزمرته في الحكومة وأجهزتها الأمنية المختلفة حول استخدام القوة المميتة لفضّ الاعتصام وقتل المتظاهرين والمعتصمين المسالمين -الذين لم يثبت خروجهم عن النطاق السلمي في حركة احتجاجاتهم المتواصلة- وطبيعة التنفيذ الميداني المكشوف الذي مارس القتل الرخيص بدم بارد، وجاهر بالبطش والفجور إلى أبعد مدى، وحركة التوثيق الإعلامي والحقوقي التي أحصت كمّ وتفاصيل الجرائم المرتكبة على رؤوس الأشهاد، كلها تدمغ السيسي وقادة الانقلاب بالجرم المشهود، وتمهد لهم سبل المثول أمام المحاكم الدولية، ولو بعد حين.

ما صدر عن المنظمات الحقوقية وفقهاء القانون الدولي حتى اللحظة يُجمع على أن ما يحدث في مصر اليوم جرائم حرب، وجرائم إبادة جماعية، وجرائم ضد الإنسانية، حسب نصوص الاتفاقيات والقوانين الدولية، وأن البحث في أمرها وإمساك المحاكم الدولية المختصة لزمام المبادرة بشأنها هو مسألة وقت ليس إلا. 



لا يكمن سؤال الساعة في مدى إمكانية محاكمة السيسي وقادة الانقلاب ودخولهم قفص الاتهام، إذ أن ميقات المساءلة ووقت الحساب آت مهما طال الزمن. فهل يمكن أن ينجو أحد من براثن جرائمه ضد الإنسانية، ويواصل إراقة دماء الأبرياء التي تنزف مدرارا، ثم يفر بخطيئته وينفذ بجلده دون أي حساب أو عقاب؟

قد تبدو التقديرات الخاصة بإمكانية محاكمة السيسي وقادة الانقلاب غامضة نسبيا أو غير ذات أفق واضح في المرحلة الراهنة، إلا أن ذلك لا يعني -بحال- أن موازين القوى ومعطيات الأوضاع وظروف الواقع سوف تبقى على ما هي عليه إلى الأبد، وأن السيسي وزمرته قادرون على ضمان الإفلات من سيف العدالة وسلطان القانون الدولي إلى ما لانهاية.

يُنبئنا التاريخ عن طغاة كبار كانوا والسيسي وزمرته في الجرم واستباحة الدماء سواء، فلم يمكثوا طويلا حتى احتوتهم القضبان وطالتهم يد العدالة والقصاص بعد أن ظنوا -وكثير من الظنّ إثم في منطق أهل الشر والفجور- أن رقاب العباد قد دانت لهم، وأن علوهم واستكبارهم في الأرض قد بات مسلّمة لا ريب فيها، وأنهم أبعد ما يكونون عن غضبة الحق وموازين العدالة وسنن الكون والحياة.

الأمثلة الواردة من جمهورية يوغسلافيا السابقة -حيث أرباب القمع الدموي في البوسنة والهرسك وكوسوفو- ومن غواتيمالا، والكونغو، ورواندا، وسيراليون، وغيرها من البلدان التي حوكم العديد من مجرمي الحرب فيها، ما زالت قريبة وتعطي مؤشرات بالغة القوة حول المآلات الطبيعية لمجرمي الحرب، والنهايات الحتمية للجنرالات وأهل الباطل والفجور الذين استخفوا بقدر وقيمة دماء الأبرياء، وولغوا فيها دون أي وازع من إنسانية أو ضمير.

ثمّ.. ألم يأتهم نبأ المحاكمة التي جرت مؤخرا لقادة الانقلابات العسكرية في تركيا الذين انقلبوا على الحكومات المنتخبة في الأعوام1960 و1971 و1980؟ أم أنهم يعتقدون أن قوتهم الغاشمة ستحمي عروشهم الفارغة وكيانهم المريض إلى الأبد؟ ألم يدركوا أنهم لو فروا من قبضة عدالة شعوبهم حينا من الزمن فإنهم لن يفروا منها أبد الدهر، وسيبوؤون بلعنة الله والملائكة والناس أجمعين؟
وفي كل الأحوال فإن يد العدالة ستطالهم وتقتص منهم لا محالة.
(4)
حتى اللحظة، فإن المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية "فاتو بن سودة" في واد، وما يجري في مصر من مذابح ومجازر بحق الأبرياء المسالمين في واد آخر تماما.

ما الذي تنتظره المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية للشروع في بحث جدي حول الانتهاكات الخطيرة التي تصنف ضمن جرائم الحرب، وجرائم الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، بما يمكن القول معه إن ما يجري اليوم تطهير ذو أبعاد دينية ونزعات سياسية لا يمكن إخفاؤها بأي حال من الأحوال؟
وكم من الوقت سوف تنتظر الحالة المصرية كي تصحو "فاتو بن سودة"، وتستفيق من غفلتها، وتبدأ في تجميع أوراقها وحصر مستنداتها، تمهيدا لفتح ملف الجرائم التي يتواصل ارتكابها على الأرض المصرية بدم بارد وبشكل تقشعر منه الأبدان وتشيب لهوله الولدان؟


إن عدم صدور أي رد فعل من جانب "بن سودة" حتى اللحظة إزاء سيول وأنهار الدماء التي تغرق مصر يؤكد لكل ذي لبّ وبصيرة الأجندة الخفية والاعتبارات السياسية التي تعمل في ضوئها المحكمة الجنائية الدولية، ويضع المحكمة ذاتها -المنوط بها تحقيق العدالة وإنفاذ القانون الدولي- في قفص الإدانة الصريحة والاتهام المباشر.

هل تنتظر "بن سودة" أدلة دامغة، وشواهد حية، وتوثيقا أصيلا، أكثر مما يعرضه ويفرزه ويحفل به الواقع المصري الراهن وميادينه الدامية؟

يقينا، فإن المحكمة الجنائية الدولية سوف تتحرك، عاجلا أم آجلا، مسكونة بضغط الواقع المصري المتفجر، لكن كل يوم تأخير من شأنه أن يشوه صورتها أكثر فأكثر، ويهدم مزيدا من مصداقيتها التي تضررت بفعل عدم موضوعيتها وانتقائيتها الفجة بشأن القضية الفلسطينية والقضايا العربية والإسلامية التي تتحكم في مسارها وملابساتها الدول الكبرى.
(5)
السؤال الأخطر الذي يرخي بظلاله السلبية القاتلة اليوم: أين موقف الجامعة العربية؟ وأين الموقف العربي المشترك تجاه ما يجري من تطهير ومذابح داخل مصر، التي تشكل أساس الجامعة وركنها المنيع؟

منذ اللحظة الأولى للأزمة المصرية بدا أن قطر وتونس والمغرب تغرد خارج السرب العربي الرسمي الذي اصطف بشكل شبه تام خلف عزل مرسي، وأيد الانقلاب الذي نفذه الجيش المصري.

وهكذا، لم يصدر عن الجامعة أي موقف رصين، يدافع عن الشرعية الدستورية والتحول الديمقراطي في مصر، وانحازت معظم الدول ضمن إطار الجامعة إلى مواقفها الخاصة وأجنداتها السياسية المعروفة التي تكنّ للإسلاميين البغض والعداء.

لكن الموقف الأبرز في إطار الموقف العربي الرسمي تمثل في الموقف الثلاثي المعروف: السعودي والإماراتي والأردني، الذي عمل ضمن إطار المخطط المرسوم لإسقاط مرسي والتجربة الإخوانية الحاكمة، وأرسى الأرضية الخصبة والأساس المتين للمجازر الهائلة والمذابح الكبرى التي يجري تنفيذها داخل مصر حاليا.

ليست هذه المرة الأولى التي تتنكب فيها الجامعة العربية عن دورها "المحنّط" المنصوص عليه في نظامها وميثاقها الداخلي، فالجامعة لم تكن مشروعا سياسيا عربيا حقيقيا للدفاع عن مصالح الأمة وقضاياها الكبرى في يوم من الأيام.

ومن هنا، لم يكن مستغربا أن تنأى الجامعة العربية بنفسها عن شلالات الدماء النازفة في مصر، وأن تمتنع حتى عن مجرد إدانة الإجرام وسفك الدماء البريئة هناك على المستوى الشعاراتي، وكأنّ الأرواح التي تزهق في ربوع مصر ليست أرواحا عربية على الإطلاق.

ما يجري في مصر اليوم شكل كفرا جديدا بالجامعة العربية -التي منحت القاتل شرعية قتل أبناء شعبه دون أن يرمش له طرف- وبما يسمى المواقف العروبية والقومية "الزائفة" التي أصموا آذاننا بها حينا من الدهر.

آلاف المصريين يقتلون اليوم للأسف الشديد لا بسلاح مصري فحسب، بل وبسلاح وتأييد عربي أيضا.

(6)
أما عن موقف المجتمع الدولي وأرباب الديمقراطية إزاء أحداث المذبحة وفصول الانقلاب، فالأمر ليس بحاجة إلى كثير تعليق وبيان.

لم يكن السيسي وقادة العسكر ليقدموا -ابتداء- على تنفيذ الانقلاب لولا الضوء الأخضر الأميركي بشكل خاص، والدعم الغربي بشكل عام، وما كان لهم أن يمارسوا ساديتهم وفاشيتهم بحق الأبرياء المسالمين لولا المخطط المحبوك الذي تلعب العديد من أطراف المجتمع الدولي دور البطولة فيه، بأشكال ووتائر مختلفة.

في عُرف أرباب الديمقراطية الغربية فإن الشعوب العربية ليست ناضجة ولا  مؤهلة بعد للحكم المدني والاحتكام إلى منظومة القيم القانونية والدستورية. وهكذا، فإن الديمقراطية -في فهمهم- لا تصلح فقط إلا للاستخدام الغربي، والعرب والمسلمون منها استثناء، وما يجري اليوم يجسد أردأ ألوان النفاق السياسي، ويشكل محاولة غربية لنفض اليد من الدماء المصرية البريئة ليس أكثر.

وكما سقطت الجامعة العربية والمنظومة العربية الرسمية في مستنقع الدماء المصرية البريئة، فإن المجتمع الدولي وأرباب الديمقراطية الغربية سقطوا -بكل جدارة وامتياز- في ذات المستنقع، ولن يقوى أو يجرؤ أحد من أهل العدالة والإنصاف على رفع شعار الديمقراطية والدعوة إليها في ثنايا الواقع المصري بعد اليوم.

مجمل القول: معركتنا اليوم هي معركة محاكمة السيسي وقادة الانقلاب الغاشم، كي يأخذوا جزاءهم العادل ويكونوا عبرة لمن يعتبر.
 ــــــــــــــــــــــــــــ
كتبة بالجزيرة نت مؤمن بسيسو


الخميس، 5 ديسمبر 2013

أى ملك عظيم هو ... ؟ رمسيس الثانى .... نجم الأرض



رمسيس الثانى: نجم الأرض

فى الثانى والعشرين من فبراير كل عام، تشرق الشمس على وجه الملك رمسيس الثانى، نجم الأرض فى قداسة أقداسه بمعبده الكبير بأبو سمبل، فأى إعجاز هندسى فلكى هذا وأى ملك عظيم هو ؟!

تربع الملك رمسيس الثانى على عرش مصر لما يقرب من سبعة وستين عاما سطر خلالها أزهى صفحات تاريخ مصر القديم، صفحات تختلط فيها الحقيقة التاريخية بالأسطورة الناتجة عن الإعجاب الشديد بشخصه وأعماله وإنجازاته، والتى جعلته واحدا من أهم ملوك العالم، بل إن البعض يصفه بأنه أعظم ملك فى التاريخ. عرف رمسيس الثانى كيف يحكم بلاده ويفجر طاقات شعبه ويكون أعظم إمبراطورية فى التاريخ.
ولد رمسيس الثانى فى أسرة عسكرية عريقة فجده هو رمسيس الأول الذى كان وزيرا وقائد للجيوش فى عهد الفرعون " حور محب " آخر فراعنة الأسرة الثامنة عشر، والذى أسس من بعد ذلك الأسرة التاسعة عشرة، وكان رأس ملوكها وأنجب وريثه على العرش سيتى الذى تزوج فى شبابه من " توايا " ابنه قائد سلاح العربات الحربية، وكون الشابان أسرة صغيرة، توفى طفلهما الأول، لكن الأقدار عوضتهما بطفل ثان نال من الشهرة والخلود فى ذاكرة التاريخ ما لم ينله ملك سواه، إنه الملك رمسيس الثانى.

وتولى معلمو ومربوا القصر الملكى أمر تنشئة ورعاية وتهيئة الأمير الصغير لولاية العرش من بعد أبيه الملك سيتى الأول، وذلك تحت الإشراف الكامل لجلالة الملك. وتقتضى أمور تلك النشأة والتهيئة تعليم الأمير أصول الكتابة والقرءاة والحساب والدين والبروتوكول الملكى هذا بالنسبة للتعاليم المدنية، أما بالنسبة للتعاليم العسكرية والأمور الإدارية فكان الأمير يتلقى تدريبا عسكريا كفيلا بأن يجعله يشترك فى الحروب الخارجية، ويقوم بمهام تفتيشية ليطلع على سير الأعمال الإدارية والإنشائية وغالبا ما كان يرافق أباه الملك فى نهاية. ونال الأمير الصغير من ثقة أبيه الملك الشئ الكثير مما جعله يشركه معه فى الحكم وهو لم يزل فى السادسة عشر من عمره.

وفى صيف 1289 قبل الميلاد، توفى فجأة الملك سيتى الأول فى الخمسين من عمره بعد أن حكم مصر ستة عشر عاما، تاركا العرش والإمبراطورية لنائب الملك، ابنه رمسيس الثانى ليصبح ملكا مطلقا على عرش مصر.
تولى رمسيس الثانى مقاليدا الحكم فى أرجاء الإمبراطورية المصرية فى حوالى الخامسة والعشرين من عمره. ولم تدم فترة الهناء طويلا فى حياته إذ بدأت بعض المناوشات تترى على الحدود الشمالية الشرقية، وتهددأ من الأمبراطورية، وتمثلت فى قيام دولة الجيش بالاعتداء على الممالك التابعة لمصر فى آسيا ومحاولة الاستيلاء عليها.

معركة قادش

أراد ملك الحيثيين الطموح " مواتاسيليى " توسيع أرجاء مملكته بضم بعض الممالك الآسيوية التابعة للنفوذ المصرى. فقاد حلفا من ست عشرة مقاطعة ومملكة حليفة له لغزو مملكة " أمورو " على الساحل الفينيقى، وبلغ عدد هذه القوات 2500 عربة حربية وفرقتين قوامهما 18000 و 19000 مقاتل على التوالى. 

ولم يكن الملك المصرى رمسيس الثانى غافلا عما يهدد حدوده الشمالية الشرقية، فما إن بلغته أنباء هذه الحشود حتى سارع بوضع خطة للحرب وحشد قواته من مشاة وعربات قتال وحملة الأسلحة المختلفة، وسار رمسيس على راس جيشه الذى قسمه إلى أربع فرق: آمون، رع، رتاح، ست، وهى أسماء كبار المعبودات. وسار الملك على رأس فرقة آمون، أكبر فرق الجيش، متخذا الطريق البرى إلى كنعان مرورا بجنوب سوريا حتى يصل إلى قادش، بينما سارت الفرق الأخرى على الطريق الساحلى. وأثناء مسيرة الملك، قبض جنوده على اثنين من البدو، أبديا رغبتهما فى مقابلة الملك بدعوى أنهما يعرفان ما يفيده فى حربه مع الحيثيين، وسمح لهما بمقابلة جلالته والمثول بين يديه، وأخبرا جلالته بأن الحيثيين وملكهم قد عسكروا فى حلب فى الشمال ويخشون التقدم التقدم نحو الجنوب منذ سماعهم بزحف الفرعون نحو الشمال. وسر الفرعو بسماع هذه الأنباء واعتبر ما قيل هو الحقيقة ولم يحاول هو ولا مخابراته استجواب الرجلين أكثر من ذلك. وسارع الملك بعبور السهل المؤدى إلى قادش تتبعه فرقة آمون. وتقع قادش بين نهر العاصى وبين رافد آخر يجرى إلى الغرب منها ويصب فى النهر نفسه، وشق أهل المدينة من الرافد قناة صناعية تصبح فى النهر إلى الجنوب من المدينة، وبذلك تحولت قادش إلى جزيرة منيعة يصعب اختراقها وما إن عبر رمسيس وفرقته الراقد الغربى حتى شرعوا فى نصب معسكرهم فى مواجهة المدينة.

 وفى هذه الأثناء تمكنت إحدى الدوريات من أسر جاسوسين من الحيثيين، واللذين أطلعا الفرعون بحقيقة وضع جيش الحيثيين خلف قادش وأنهم على أتم الاستعداد للقتال، وأن ما أخبر به الفروع كان خديعة من قبل الحيثيين. غلبت ثورة الغضب الملك وجمع هيئة القيادة العليا وأبناهم بحقيقة الأمر، وشرع فى اتخاذ إجراءات مضادة فعالة وسريعة تحسيا لهى هجوم مفاجئ. كانت فرقة رع قد بدأت تعبر السهل نحو المعسكر، ولكن فرقتى بتاح وست كانتا متأخرتين ولم تعبرا نهر العاصى بعد وأرسل الملك وزيره لاستعجال فرقة بتاح ومعه رسالة مختصرة: " اسرعوا بالزحف! سيدكم الفرعون يقف فى المعركة وحيدا "

. ظهرت عربات الحيثيين الحربية وأخذت تطيح بفرقة رع التى فوجئت بالهجوم، فشقتها شطرين. وكانت فرقة آمون حتى هذه اللحظة سليمة لم تمس. وعند رؤية الفارين أمام عربات العدو تفرق شمل فرقة آمون أيضا واندفعت عربات الحيثيين تطوق المعسكر.

 وبات من المؤكد أن الفرعون سوف يهزم وأن احلام ملك الحيثيين سوف تتحقق بالقضاء على رمسيس وإمبراطوريته. لم يذهل الموقف رمسيس وحاول حشد قواته وشد أزرهم. وابتهل الفرعون إلى ربه آمون: " لماذا يا أبى آمون ؟! كيف يتجاهل الأب ابنه ؟! كيف تنسى ما فعلته من أجلك ؟! ألم أفعل كل ما هو نافع لك ؟! لم أهمل فى حياتى أمرا لك قط ! كيف تسمح للغرباء بأن يعوقوا طريق ملك نصر العظيم؟! ماذا يعنى هؤلاء بالنسبة لك يا آمون ؟ !... فلتساعد من يعتمد عليك، حتى يتفانى فى خدمتك بقلب منشرح. فأنا بين الأجانب وكل البلادة محتشدة ضدى، فأنا وحيد ولس معى أحد، هجرتنى قواتى الغفيرة، ولا ينظر نجوى أحد من رجال العربات الحربية، سأظل أصوب السهم نيابة عنهم إلا أنهم لن يستجيبوا لندائى، أدرك أن آمون يؤازرنى أكثر من مليون جندى، أكثر من مائة ألف عربة، أكثر من عشرة آلاف من الخوة والأبناء المتحدين على قلب رجل واحد، فآمون أكثر منهم عونا.

 لقد أتيت إلى هنا نزولا على أمر يا آمون، لم أخالف أمرك، الآن أبتهل وأصلى فى الأرض البعيدة. إن صوتى يترادد فى طيبة وحينما دعوته جاءنى وأمد لى العون وسعدت ونادى على من بعيد كما لو كان قريبا: للأمام، أنا معك فأنا والدك ويدى معك فأنا أفوق مائة ألف من الرجال، أنا سيد الانتصارات، محب القوة ".

وتجلت شجاعة الملك فراح ومن معه يدافعون ويصدون هجوم الحيثيين فعاد الفارين وتكونت داخل المعكسر المصرى نواة صلبة من المقاومة. واقتحم رمسيس الثانى صفوف الحيثيين نحو الجنوب حتى يتمكن من الالتحام بفرقة بتاح. ووصلت النجدة فرقة التنعارين وهى فرقة من الشباب كلفهم الملك تأمين الطريق الساحلى، ثم الالتحام بالجيش عند قادش فانهارت أمامهم عربات الحيثيين الحربية. فدفع ملك الحيثيين مواتاسيلى بألف عربة حربية أخرى بميدان القتال، ولم يفحلوا أمام بسألة وقوة الجيش المصرى وصموده، الذى اتخذ من قائده رمسيس الثانى المثل الأعلى فى الكفاح والقتال وتمكنوا من هزيمة العدو الذى فر افراده وألقوا بأنفسهم فى مياه نهر العاصى، وزادت قوة المصريين بوصول فرقة بتاح وأصبحت لهم اليد العليا فى ميدان القتال.

وفى اليوم التالى حثت مناوشات بين الفريقين لم يتسطع أى منهما حسم الموقف لصالحه. ووفقا للنصوص المصرية فإن مواتاسيلى ملك الحيثيين أرسل رسله فى طلب الهدنة ووقف القتال. فجمع رمسيس الثانى مقترحات الحيثيين ليستشف ما فى صدورهم فقالوا فى نفس واحد: " السلام شئ عظيم يعلو على كل شئ يا مولانا الملك، ولا يوجد من يعارض التسوية إذا أربرمتها أنت فمن ذا الذى يجرؤ على الوقوف فى طريقك يوم غضبك ". فقبل رمسيس الثانى تلك الهدنة على أمل العودة للاستيلاء ثاينة.

رجل الحرب والسلام

وما إن قف الملك رمسيس عائدا إلى أرض الوطن حتى أعلنت المدن السورية والفلسطينية الثورة والعصيان ضد الحكم المصرى بل أخذ مواتسيلي يستولى على المدن الواحدة تلو الأخرى وأهمها قادش وأمورو. فخرج الملك رمسيس الثانى فى العامين السادس والسابع ليعيد الاستيلاء على عسقلان، ثم على منطقة الجليل ودبور فى أمورور فى العام الثامن، وعلى تونب فى العام العاشر. وثبتت هذه الحملات دعائم الحكم المصرى فى سوريا وفلسطين لكن هذا الصراع المستعر بين مصر وخيتا قد أرهق الجانبين وكلفهما الكثير.

 فى الوقت الذى بزغت فيه قوة الأشوريين كقوة جديدة على مسرح الأحداث تهدد أمن إمبراطورية الحيثيين فى الشرق الأدنى، وكانت مصر أيضا تتعرض لهجمات شعوب البحر. هنا أدرك الجانبان المصرى والحيثى عدم جدوى الحرب بينهما وقررا عقد معاهدة سلام وتآخ بينهما.

وفى العام الحادى والعشرين من حكم رمسيس الثانى وفد إلى مصر رسولان من ملك خيتا ومعهما لوحة من الفضة بها طلب السلام من جلالة رمسيس الثانى وضرورة استئناف العلاقات الودية بين البلدين وعدم نشوب الحروب والمناوشات بينهما وعقد معاهدة " صلح طيب وإخاء حسن ".
وتقول نصوص المعاهدة: " إن أمير خيتا العظيم اتفق مع حاكم مصر العظيم على أنه بدءا من هذا اليوم سيسود بيننا السلام الطيب والأخوة للأبد، فهو فى أخوة معى، وهو فى سلام معى، وأنا فى أخوة معه وأنا فى سلام معه، إلى الأبد.
وسيكون أبناء أبناء أمير خيتا العظيم فى أخوة وسلام مع أبناء أبناء حاكم مصر العظيم، لأنهم سيكونون على عهدنا للأخوة والسلام، وستكون أرض مصر وأرض خيتا فى سلام وأخوة مثلنا إلى الأبد، ولن تنشب عدواة بينهما أبدا.
ولن يغير أمير خيتا العظيم على أرض مصر للأبد، ليستولى على أى شئ منها، ولن يغير حاكم مصر العظيم على أرض خيتا، ليستولى على أى شئ منها للأبد.

وإذا ما تقدم عدو ضد أراضى حاكم مصر العظيم فإن أمير خيتا العظيم سيأتى إلى حاكم مصر ليذبح أعداء ملك مصر العظيم ".

ومن أجل تدعيم أواصر السلام والود بين الدولتين، أرسل ملك الحيثيين ابنته إلى مصر لكى يتزوجها الملك رمسيس الثانى، وبالفعل وصلت الأميرة الحيثية إلى مصر فى موكب مهيب، واستقبلها الملك فى القصر الملكى وخلع عليها اسما مصريا، وأصبحت الأميرة من الملكات الشهيرات وشاركت الملك فى العديد من المناسبات الرسيمة.
وتعتبر هذه المعاهدة من أولى معاهدات السلام المدونة تدوينا كاملا فى التاريخ، وحقق بذلك الملكان سلاما عاما فى منطقة الشرق الأدنى دام قرابة خمسة وسبعين عاما متصلة لم ينعم بها هذا الجزء من العالم حتى وقتنا الراهن.
وما إن اعتلى رمسيس الثانى عرش مصر حتى أظهر نشاطا منقطع النظير فى مجال البناء جعله سيدا للنبائين بحق طوال عصور التاريخ المصرى. فلم يستطع أى حاكم مصرى آخر أن ينافسه فى ذلك. فبدأ فى تشييد معبد الرامسيوم فى الأقصر ومعبده الخاص بأبيدوس ومقبرته الرائعة بوادى الملوك " قبل أن تنهدم " ومعبدبتاح فى منف ومعبدى أبو سمبل، ومعابد بيت الوالى ومعبدين فى وادى السبوع فى النوبة، وأضاف صالة وصرحا ومسلتين أمام واجهة معبد الأقصر وصالة الأعمدة الكبرى بمعبد الكرنك والتى تضم 152 عموا وبدأ العمل فيها أيم والده الملك سيتى الأول.
وازدانت أرض مصر جميعا بتماثيل رمسيس الثانى مختلفة الأحجام والهيئات، ونالت آثار أسلافه ومبانيهم قدار كبيرا من اهتمامه، فشرع فى ترميم المنهار منها وإكمال ما لم يتم بناؤه. واعتبر العمائر والمعابد التى شيدها بمثابة تكليفات مقدسة ألقت بها الآلهة إليه. ويرى بعض الباحثين فى الملك رمسيس الثانى مغتصبا لآثار أجداده وذلك بإضافة أسمائه عليها، وهى فكرة غير صحيحة، إذ إن وضع اسم الملك رمسيس الثانى أقوى شخصية فى البلاد على تلك الآثار يعد حماية لها ولن يجرؤ أحد على الاعتداء على أثر يحمل اسم الملك العظيم.

نفرتارى جميلة الجميلات

عرف عن الملك رمسيس الثانى كثرة زيجاته، ومع تعدد زوجاته وكثرتهن، تبقى الأثيرة لديه المكلة نفرتارى. وكانت سيدة بالغة الرقة والرشاقة والجمال والزوجة الرئيسية التى تظهر معه فى الاحتفالات العامة والدينية. وتلاصق تماثيلها تماثيله. وعثر لها على مقبرة رائعة فى وادى الملكات هى الأجمل والأروع بين مقابر وأكثر ما يمز الأقصر من آثار.
وجمعت الملكة فى ألقابها بين الرسمى من الألقاب والمعبر عن إعزاز الملك وحبه لها. فكانت نفرتارى " سيدة الصعيد والدلتا " و " سيدة كل الأراضى " و " عظيمة المديح " و " جميلة المحيا " و " ربة الفتنة " و " حلوة الحب ".

وبلغ من حبه الشديد لها أن شيد لها معبدا منحوتا فى الصخر إلى جواره معبد الكبير بأبوسمبل. وصورت الملكة فى معبدها على هيئة الربة حتحور. وأقيمت لها التماثيل الضخمة إلى جوار تمثال زوجها الملك رمسيس الثانى. وبلغ من عظيم تقديره لها أن حضرت عقد الصلح والتوقيع على معاهدة السلام بينه وبين الحيثيين، بل كانت ضمن من تبادلوا التهانى فى البلاطين المصرى والحيثى آنذاك.

وأنجب الملك رمسيس الثانى عددا كبيرا من الأبناء بلغ مائة وخمسين من البنين والبنات. وأكد هذا ما اكتشفه عالم الآثار الأمريكى " كنت ويكس " فى وادى الملوك حيث عثر على مقبرة أبناء رمسيس ( K.V.5 ). وكان عالم الآثار " جميس برنتون " هو أول من نجح فى الاهتداء إليها فى عام 1835 عندما كشف عن سقف المقبرة وتبعه كل من " هوارد كارتر " و " تيودور دافيز " حتى كشف عنها بالكامل " كنت ويكس " وقام بتنظيف ممراتها وحجراتها التى بلغ عددها 108 حجرات ممتدة داهل ستة ممرات طول كل منها حوالى 48 مترا. وتمتد لأكثر من سبعين مترا داخل باطن الجبل بالقرب من مقبرة الملك توت عنخ آمون.

 وفى نهاية المدخل الرئيسى للمقبرة يوجد تمثال ضخم وفريد يظهر استكمال الكشف مفاجآت أثرية وعلمية مثيرة. وتعد هذه المقبرة أعظم اكتشاف أثرى فى وادى الملوك بعد مقبرة الملك الصغير " توت عنخ آمون " فى عام 1922: وتعد ايضا أكبر مقبرة مكتشفة فى مصر حتى الآن.
ونال الأمير " خع إم واست " رابع أبناء رمسيس الثانى وثانى أبناء الملكة " إيست نفرت " شهرة عريضة طغت على شهرة معاصرية لدهور طويلة. ولم يفتن الأمير الصغير بفنون الحرب والعسكرية كغيره من الأمراء واختط لنفسه طريقا آخر بفضل نبوغه وتفوقه العقلى، فعكف منذ نعومة أظفاره على التبحر فى فنون الكتابة والقراءة وأعمال السحر وأمور الدين والعقيدة. ودخل فى خدمة الإله بتاح رب الصناع وافنانين بمدينة منف العريقة وتدرج فى السلك الكهنوتى حتى بلغ أعلى مراتبه: كبيرا لكهنة الإله بتاح.

وأشتهر عن الأمير العالم " خع إم واست " ولعه الشديد بآثار أجداده فقام بترميمها فى سقارة مثل هرم الملك العظيم زورسر " الأسرة الثالثة " ونقش بطاقة تعريقية على هرم خوفو الأكبر قرأها على " هيرودوت " أدلاؤه أثناء زيارته لمصر، وكذلك رمم مقبرة الملك شبسكاف " الأسرة الرابعة " وهرم الملك ونيس " الأسرة الخامسة "، وترك على واجهته الجنوبية نصا تذكاريا يخلد به أعماله فى مجال ترميم آثار أجداده، وبذلك يعتبر الأمير " خع إم واست " أول عالم مصريات ومرم فى تاريخ البشرية. وعند دنو أجله اختار الأمير لنفسه دفنه فريدة، فاختار أن يدفن إلى جوار العجول المقدسة التى ظل يرعاها طيلة حياته فى السيرالبيوم- جبانة العجول المقدسة- ليدفن فى حجرة أعدها لنفسه، وبنى فوقها هيكلا زخرف بنقوش جميلة. وارتقى بذلك مرتبة عليا لا يبلغها إلا " خع إم واست " بعد أن أفنى أربعين عاما من عمره فى خدمة الأله بتاح، ورحل فى الخامسة والخمسين كالعلم على حبين مصر كأبيه رمسيس الثانى.

وبعد وفاة الأمير " خع أم واست " أصبح أخوه الأمير " مرنبتاح " هو الوريث الشرعى لعرش أبيه الملك رمسيس الثانى، والذى اعتلاه وهو فى أواخر الستين من عمره.

وفى بداية العام السابع والستين من حكم الملك رمسيس الثانى، بدات الاستعدادات للاحتفال بعيد جلوسه على العرش الذى يحل فى الشتاء القادم. كان الملك قد شارف التسعين من عمره وأخذت صحته فى التدهور وشاءت الأقدار أن تجئ نهايته فى صيف هذا العام دون الاحتفال بهذا الحدث السعيد فى حياته. وتوفى الملك بعد حكم انفرادى دام ثلاثة أرباع قرن، ورحلت روحه إلى عالم الغرب الجميلة، حيث مملكة أوزير سيد الأبدية. وانتشر خبر الوفاة فى أرجاء الإمبراطورية وعمها الحزن. وبدأ تجهيز مقبرة الملك فى وادى الملوك. وأجريت على الجثمان الملكى طقوس التحنيط التى استغرقت سبعين يوما. واتخذ الموكب الملكى طريقة فى النهر حاملا جثمان الملك من منف إلى طيبة حيث مثواه الأخير. ووصل الأسطول إلى طيبة وحمل الجثمان على محفة تجرها الثيران ويحيط به كبار رجال الدولة والعائلة الملكية فى موكب حنائزى مهيب. وفى بيت الذهب، أدخلت مومياؤه فى توابيتها الذهبية ودفنت بكل إجلال ومهابة فى مرقدها الأخير. وهكذا انضم جلالته: الملك رمسيس الثانى، ملك مصر العليا والسفلى، محبوب آمون، إلى مجمع الآلهة العظام، متحدا مع أرواح الأبرار من الفراعين.

وفى عام 1881م، اكتشفت مومياء الملك فى خبيئة الدير البحرى داخل تابوت خشبى على هيئة آدمية. وفى عام 1886م، عرضها عالم الآثار الفرنسى " جاستون ماسبيرو " فى متحف بولاق. وفى سبتمبر من عام 1975م، غادرت المومياء القاهرة فى طريقها إلى باريس حيث استقبلت ورممت ودرست لمدة ثمانية أشهر قبل عودتها إلى مصر مرة أخرى. وفى أكتوبر من عام 1995م، استقرت فى قاعة المومياوات الملكية بالمتحف المصرى بالقاهرة لتصبح قبلة للزوار من كل مكان.

ذكرى رمسيس

حفظ المصريون القدماء ذكرى هذا الملك العظيم فى قلوبهم مثلما حفظت الأرض آثاره، فرفعه رواة القصص الشعبى فى مصر القديمة إلى مصاف البطل الأسطورى والمثل الأعلى. ووصفه شعبه بأنه نجم الأرض، وسيد البنائين، والملك المحبوب، واعتبره حفدته المثل والقدوة. وحرص خلفاؤه من الملوك على التشبه به والتسمى باسمه حتى بلغ عددهم أحد عشر ملكا. واعتبره سميه الملك رمسيس الثالث بطله المقدس، فاتخذ لنفسه جميع ألقابه بل زاد على ذلك أن سمى ابناءه بأسماء أبناء رمسيس الثانى، وشيد حيا جديدا فى العاصمة الملكية بر رمسيس " بيت رمسيس " بالدلتا، وبنى معبده فى مدينة هابو على غرار معبد الرامسيوم، بل وأضاف إلى هذا المعبد هيكلا خاصا لعبادة رمسيس الثانى. وتضرع رمسيس الرابع للآلهة آملا فى أن تمد فى ملكة سبعة وستين عاما مثل رمسيس الثانى. وتلقب الملك " بسوسنس " أحد ملوك الأسرة الواحدة والعشرين بلقب " رمسيس بوسنس ". وعلى الرغم من ذلك فلم يرق أحدهم إلى مستوى مثلهم الأعلى فى شخصيته أو كفاءته أو فى بعد نظره، هذا وقد قدس الملك رمسيس الثانى فى بلاده النوبة. واستمرت عبادته تؤدى فى معبدية بأبيدوس ومنف.

وليس هناك أصدق مما قاله عالم المصريات الأنجليزى " كتشن " يصف به هذه الفترة من تاريخ مصر بقوله: " كانت مصر فى عصر رمسيس الثانى جزءا من مشهد التاريخ البشرى الطويل، وكان عصره فريدا له طابعه الخاص، شهد من الأحداث فى الداخل والخارج الشئ الكثير، وخلف من الاثار ما يشهد له بنهضة إنشائية عظيمة مما يجعلنا نطلق عليه بجدارة " العصر الرعامسى ".

ويقول الشعر الإنجليزى " ب. ب شيللى " فى قصيدته " أوزيماندياس " قاصدا رمسيس الثانى: " اسمى: أوزيماندياس، ملك الملوك: أنظر لأعمالى، أيها الجبار اليائس لم يبق شئ بجوارى. فمن فتات هذا الحطام الضخم العارى- بلا حدود تمتد الرمال وحيدة سائحة على مد البصر ".

وتصف الرحالة " أمياليا إدواردز " شعورها أمام رمسيس الثانى بقولها: " أمام رمسيس الثانى يحس المرء أنه أمام شخصية محببة تبعث على الاحترام. وتثير فينا شعورا بأننا نعرفه، ونحس بحضوره ونسمع اسمه يتردد فى رحابه الفضاء ".
ومازالت الأرض المصرية تحتفظ باسرارها، ومازالت مليئة بآثار هذا الملك وتخرج لنا كل يوم الجديد والجديد، فاكتشف أخيرا عالم الآثار الأشهر الدكتور " زاهى حواس " بهضبة الجيزة وبالتحديد إلى الجنوب من هرم الملك منكاورع " الأسرة الرابعة " تمثالا مزدوجا للملك رمسيس الثانى يمثله فى هيئة إله الشمس " رع حور آختى ". مما يؤكد مدى انتشار آثار هذا الملك فى أرض مصر، ويبين كم كانت حياته محاطة بالأسرار ولا تزال.

ــــــــــــــــــــــــ
من فضاء المعرفة 


يزيد بن عبد الملك ... (آخر الملوك الذين ماتوا عشقًا )



غواية السلطان
        
عندما تولى يزيد بن عبد الملك الخلافة، كان شابا متقشفًا، خجولاً، وعلى وجهه مسحة من الحزن، وتساءل المحيطون به من بني أمية، هل هذا الشاب النحيل قادر على مواجهة غوايات الحكم؟


الغواية الأولى
          في اليوم الأول دخل إلى قاعة الحكم وتوقف مدهوشًا، تأمل العرش الذهبي اللون الذي يتصدر القاعة، كان برّاقًا ومغريًا كأنه امرأة مستكينة، تنظر إليه في صمت، قال:
 
- أنا لست كسرى ولا قيصر، أحضروا لي مقعد ابن عمي عمر بن عبد العزيز.   قال أخوه هشام بن عبد الملك:
  ــ ولكنك لن تؤثر في قلوب العامة والأعراب إلا بهذا العرش.

 ولكن الخليفة هز رأسه نافيًا ومصرّا على رفضه، تبادل رجال الحكم من بني أمية نظرات قلقة، هاهو خليفة متقشف آخر يقبض على زمام الحكم ويوشك أن يقبض على رقابهم، كأن لم كافيا مافعل الخليفة الأسبق حين حاسبهم حسابًا عسيرًا وجرأ العامة عليهم وصادر أملاكهم بحجة أنه مال المسلمين، وجعلهم يسيرون على الحق كأنه سيف جارح، كانوا يحسبون أن هذا الخليفة الجديد سيتيح لأهله ـ من بني أمية على الاقل ـ أن ينعموا بالغنائم التي تنهال عليهم من فتوحات البلاد التي لا تتوقف.

          لم تكن بداية مشجعة، خاصة بعد ماحدث في المسجد الكبير، حيث كان الشيخ «ابن مكحول» يلقي أحد دروس العلم، وفوجئ الجميع بيزيد وهو يقبل عليهم، فردًا وحيدًا في ملابسه العادية دون شيء من أبهة الإمارة، ولكن الجميع كانوا يعرفون أنه أخو الخليفة الحالي سليمان بن عبد الملك، وأنه الخليفة القادم، أسرعوا يوسعون له مكانًا في صدر المجلس، ولكن «ابن مكحول»، أشار للجميع أن يبقى كل في مكانه، وأشار للأمير أن يجلس حيث هو في نهاية الصف، وربع يزيد ساقيه، وجلس دون أن ينطق بكلمة، واستمع للدرس حتى نهايته ثم تناول نعليه وانصرف.
          كانوا يعرفون ذلك ولكنهم كانوا موقنين أنه سوف يتغير، فللحكم طباع أخرى، وكان لابد من توالي الغوايات.

الغواية الثانية
          جاء والي المدينة عبد الرحمن بن الضحاك يجر خلفه جمعًا من العصاة والخارجين عن السلطان، كان قد سجنهم وعذبهم، وجعلهم يقرون بكل ما فعلوه ومالم يفعلوه، وهاهو يسوقهم هدية للخليفة بمناسبة عهده الجديد، ولكن يزيد تأمل وجوههم، استطاع أن يتعرف على عدد منهم رغم التعذيب والإنهاك والتشويه كانوا من أشراف مكة والمدينة، قال:
          - من هؤلاء؟
          قال ابن الضحاك متفاخرًا: إنهم أعداؤك العلويون والمتمردون والمطالبون بالخلافة، وقد نصرنا الله عليهم .
          كان بنو أمية قد قتلوا الكثيرين منهم، ولكن كلما قتل إمام ولد من بطن الغيب إمام خفي، وكلما قمعوا فتنة اشتعلت أخرى، وحتى عندماحاصرهم الحجاج بن يوسف الثقفي داخل الكعبة ورماها بالمنجنيق، لم تنه هذه الفعلة البشعة الصراع، قال الخليفة:
          ـ فكوا قيدهم وأجلسوهم أمامنا لنراهم ويرونا، ونكلمهم ويكلموننا. قال ابن الضحاك مدهوشًا ومستنكرًا:
          - ولكن هذا سيجرئ أعداءنا علينا.
          وأشار له الخليفة أن ينصرف من مجلسه على الفور، وسرعان ماعزله، كان حلم يزيد أن يعم السلام هذه البقعة من الأرض التي لم تهدأ منذ أن اغتيل الخليفة الثالث عثمان بن عفان، كان يريد ولاته أن يكفوا عن مطاردة العلويين وتعذيب الأحياء، ونبش قبور الموتى، وأدرك الجميع لحظتها أن هذا الخليفة لن يتغير، سيظل ذلك الرمح الصلب الذي لا ينحني، يصحو مع الفجر، يصلي بالناس، ثم يغشى الأسواق، ويتفقد السجون، ويرسل الرسائل لولاة الأمصار، ثم يفتح بابه للمظاليم وطلاب الحوائج، وكان لابد من البحث عن نقطة ضعف له، تنفذ منها كل الأهواء والرغبات لعله يلين. 


الغواية الثالثة

          كان الخليفة جالسا مع زوجته «سعدة»، الأثيرة إلى نفسه، كانت هي خائفة من تزمته، تحمل في داخلها كل مخاوف أهلها من بني أمية، قالت له:
          - يا أمير المؤمنين ـ يا زوجي وابن عمي ـ هل بقي لك شيء من الدنيا تتمناه.
          تأملها في شرود، في تلك اللحظة لم يكن يريد شيئًا، ولكنه قبل أن يجلس على هذا العرش الصعب، كانت له أمنيات ورغبات، أراد ذات مرة أن يمتلك ذلك الصدى الهائم في الصحراء «حبابة»، كان ذاهبًا إلى الحج، واستضافه أحد تجار مكة الموسرين، وفي بيته سمع صوتها الذي مازال يرن في أذنه حتى هذه اللحظة، قويًا ورائقًا ورنانًا، لا يصاحبه إلا إيقاعات من وتر شاحب، وعندما رآها اكتشف أنها لا تقل جمالاً عن صوتها، كأنها ريح الصحراء قد شظفتها من كل وجه فتحولت إلى كائن رهيف، عيون واسعة مليئة، متألقة وحزينة، وشعر أسود منسدل، ورقبة رفيعة، حين تشدو تبدو العروق الزرقاء الشاحبة من خلف جلدها الرقيق، أوتار من السماء، كان اسمها «حبابة»، ولكن الجميع كانوا يطلقون عليها لقب العالية، لأنها كانت الأعلى قيمة بين كل المغنيات والمحظيات، وأصر مالكها على ألا يبيعها إلا بأربعة آلاف دينار كاملة، ولم يشفع له أن الشاري هو شقيق الخليفة.
     
     ومن فرط الشغف دفع يزيد كل ما معه من مال، واستدان من بعض أصدقائه، وأرسل مكتوبًا عاجلاً إلى أخيه سليمان بن عبد الملك يطلب منه مددًا من المال، ولكن الخليفة فزع عندما عرف المبلغ المهول الذي دفع في جارية واحدة، فأرسل إليه مهددًا:
          - أيها الأرعن، تخلص منها فورًا وإلا قمت بالحجْر عليك ونحيتك عن ولاية العهد.
          لم تكن للخليفة العين الذي يرى بها حبابة، ولا الأذن التي يستمع بها إلى شدوها، كان فقط يملك قوة الأمر والحسم، وهكذا بروح منكسرة طرح يزيد حبابة للبيع مرة أخرى، وعرف الجميع ذلك فساوموه عليها وبخسوا سعرها، لم ينس نظرة اللوم والعتاب، التي ألقتها عليه حبابة وهي تمضي إلى مصر مع مالكها الجديد، كانت حلمًا جميلاً لم يستطع الحفاظ عليه وبيع بنصف ثمنه، تركت حياته خالية بلا شدو ولا جمال، وظل هذا الأمر يحز في نفس يزيد حتى بعد أن امتلك ذلك العالم الواسع، ظلت حبابة هي الأمنية التي عجز عن تحقيقها، لذا رفع رأسة وتأمل زوجته بنظرة شاردة، وقال بصوت حالم :
          - حبابة.
          كان الأمر أكثر من مجرد غيرة زوجة تريد أن تستأثر بزوجها، كان يخص كل بني أمية ومصالحهم المهددة، وكانت «حبابة» هي مفتاح اللغز الذي يبحث له الجميع عن حل، انطلقت الرسل بسرعة إلى كل مكان في مصر تبحث عن التاجر الذي اشتراها، خصصت سيدة الخلافة المال اللازم لشرائها، وتفرغ الوالي الأموي في مصر للبحث عن حبابة واستخلاصها، وتمت الصفقة في أسرع وقت، وحملت الفتاة على الخيل السريعة إلى الشام، لم يكن هناك وقت لأن تحمل داخل هودج مريح فوق ظهر جمل، كان يجب أن تصل إلى دمشق قبل أن يندم الخليفة على نقطة ضعفه التي كشفها.
          وقفت حبابة، مجهدة ومرعوبة ومغطاة بالرمل أمام زوجة الخليفة، تأملتها سعدة، كانت أصغر وأجمل، ولكنها كانت رهيفة بحيث لا تثير العداء، أمرت جواريها بأن يحمموها ويعطروها، وأن يلبسوها أفخر الثياب، وانتظر الجميع.
          في المساء، عندما جلست سعدة إلى الخليفة الذي كان يبدو حزينًا وشارًدا أعادت عليه السؤال نفسه مرة أخرى:
          - يا أمير المؤمنيين ـ يازوجي وابن عمي ـ هل بقي لك شيء من الدنيا تتمناه؟
          قال: لقد أخبرتك من قبل.
          وصفقت سعدة بيدها، فانزاح الستر وبدت حبابة من خلفه، منهكة وبهية ومندهشة، لؤلؤة أخرجت لتوها من البحر، وتأملها يزيد وهو غير قادر على الكلام، وتركتهما «سعدة»، ولكنها لم تبتعد كثيًرا، وقفت تتنصت خارج الباب، وقد بدأت الغيرة تدب في قلبها، لم تكن قد رأت في وجه زوجها مثل هذه العلامات من اللهفة والفرح من قبل، لا لها ولا لغيرها، لم تسمع شيئًا، لا أصوات حديث، ولا أنغام غناء، ولا تأوهات الحب، ماذا يحدث بالضبط؟
  
        لم تطق سعدة صبرًا، دفعها فضولها للدخول مرة أخرى بالرغم من أنها كانت تجازف بإغضاب الخليفة، كان لايزال جالسا في مكانه، وحبابة في مكانها، ولكن هناك سترًا منسدلاً بينهما، كل منهما يشعر بوجود الآخر، ولكنهما منفصلان، وقفت سعدة مذهولة وهي تقول:
          - مابالك يامولاي، هذه «حبابة» التي ابتغيتها طويلا.
          نظر إليها يزيد بعيون غائبة وهو يقول:
          - بلى، ولكني أخاف الله. 


الغواية الرابعة
          في الصباح فوجئ الخليفة، بمشايخ دمشق وعلمائها وهم يطلبون الدخول إليه، كان من الواضح أن هناك أمرًا جللاً يحتمل الانتظار، كانوا أربعين شيخًا، أشكالهم مهيبة، ولحاهم بيضاء ومسترسلة، يلبسون العباءات الواسعة، ويضعون على رءوسهم العمائم الضخمة وفي أيديهم كتب ومسابح ومصاحف، جلس مبهوتًا وهو يقلب نظره فيهم، تقدم إمام المسجد الكبير وهو يقول :

          - جئنا يامولاي من أجل خيرك وخير الناس، فأنت تأخذ نفسك بالشدة، وتبالغ في التقشف، وتحرم نفسك من كل متع الدنيا وملذاتها.
          قال الخليفة وهو مازال مدهوشًا: إنما أخاف الله، وأبغي مرضاته.

          كان جسده قد غدا نحيفًا، ومازال يستيقظ مبكرًا، فيصلي بالناس، ويطوف بالأسواق والسجون، وأحس بنو أمية بالخطر الحقيقي عندما أخذ يفرج عمن في سجون الدولة من سجناء، خاصة أعداء الدولة من العلويين، كان من المهم أن ينام الخليفة متأخرًا، حتى لا يستيقظ مبكرًا إلى هذا الحد ويحدث كل هذا القدر من المتاعب.

          وبادر الشيخ الإمام ففرد أمامه رقعة كبيرة من الجلد مكتوبًا عليها آيات كثيرة وأحاديث أكثر وهو يقول :
          - ها قد جمعنا كل ماقيل في أحكام السلطان من فتاوى وأحاديث، وكلها تجمع على شيء واحد ومؤكد، ليس على الخلفاء والسلاطين حساب ولا عقاب في الآخرة.
      
    هتف الخليفة مدهوشًا: أتقول الحق؟ 

 تقدم أكثر من شيخ وإمام، أقسموا على ذلك، أمسكوا لحاهم البيضاء في تأكيد، وهزوا عمائمهم الضخمة في ثقة، وفتحوا كتبهم وهم يتصايحون، وعاد الشيخ يقول :
          - كلنا متفقون في هذا الرأي، فالسلطان القوام لا يحاسب، والخليفة القادر لا يعاقب، وما يتحمله في الدنيا من أعباء الحكم يكفيه ويجعله بريئًا وطاهرًا أمام رب العالمين.
          ونهض الخليفة واقفًا وهو يصرخ: يا صاحب الشرطة.
          ودب الرعب في قلوب كل المشايخ، أدركوا أنها النهاية، ظلوا يترقبون مقدم صاحب الشرطة بقلوب واجفة، ولكن عندما دخل بادره الخليفة قائلا:
  - من الآن فصاعدًا سوف تصلي أنت بالناس.
 وأحنى صاحب الشرطة رأسه وهو يخفي ابتسامته، وتنفس شيوخ دمشق الصعداء.
أخيرًا انطلق صوت حبابة بالغناء:
 كفى حزنا بالهائم الصب
 أن يرى منازل من يهوى معطلة قفرا.

 حانت لحظتها أخيرًا، تفرغ لها الخليفة، استيقظت في داخله كل الرغبات القديمة، وسمعت الزوجة في الليل صوت ضحكاتهما وأحاديثهما، أخذ القصر كله يتجسس عليهما ويحرص على سماع أصواتهما، كانوا جميعًا يريدون الاطمئنان أن الخليفة لن يفلت بعد الآن من فخ الغواية المغري.

          أصبح يزيد بن عبد الملك منتشيًا على الدوام، سكران معظم الوقت، وبعد أن كانوا يخشون خروجه إلى الناس حتى لا يكشف كل شيء، أصبحوا لايريدون خروجه حتى لا يكشف الناس عن حالته، وأحست حبابة أيضًا أنها مراقبة من الجميع، وأن زوجة الخليفة قد بدأت بالتحرش بها، واتفقت هي ويزيد أن عليهما أن يغادرا هذا المكان.
  وجاءت اللحظة التي انتظرها بنو أمية، حين جمعهم وقال لهم:
  - لقد قررت أن أعتزلكم، سأذهب أنا وحبابة وحدنا إلى قصر الغوطة.

 وهكذا خرج الخليفة من مركز الحكم إلى أطراف عاصمته، كانت المسافة قليلة، ولكنه خرج من مركز العالم كله دون أن يدري، ترك عرشه خاليًا يتنازعه الجميع، كانت الغوطة باردة الهواء كثيفة الأشجار، نضرة الفواكه، ولكنها لم تكن العالم الحقيقي، فرش القصر بالبسط والنعم، وملأه بالجواري وعازفي الموسيقى ومقطري الخمر، ولم يقبل أن يدخل عليه قاض أو رسول، تفرغ لحبابة بكل طاقته وكامل وقته.

          ولكن المتعة حلم عابر كما يقولون، كانا جالسين معا وبينهما طبق من أعناب الغوطة، كانت تقذف له حبة فيلتقطها بفمه، ويقذف لها أخرى فتلتقطها بفمها ويقبلان بعضهما ثم يعاودان الكرة، ولكنه فوجئ بها وهي تشرق وتسعل بشدة، ضحك منها ومن عنقها النحيل، وحسب أنها سوف تلفظ حبة العنب أو تبتلعها، ولكنها لم تستطع، تغير وجهها وازرق فجأة، وأصبحت عاجزة عن التنفس، كانت الحبة اللعينة قد توقفت في مجرى قصبتها الهوائية، صرخ الخليفة ينادي من ينقذها، كانت دمشق بعيدة، والأطباء أبعد، وانتفض جسد المختنقة وهي تجاهد عبثًا لتظفر ببعض من الهواء، ثم همد كل شيء.

 صرخ يزيد يطلب منها أن تستيقظ وأن تغني وأن تعيش الحب معه، وعندما جاءوا سريعًا من دمشق، حاولوا أن يبعدوه عن جثتها، وأن يأخذوها منه ليدفنوها ولكنه صرخ فيهم وظل يحتضنها ويقبلها.

 مر اليوم الأول، وهو يحاول أن يبعث الحياة في جثتها، كان يعتقد أن حبه لها قادر على ذلك، ظل يحتضنها ويقبلها لعله ينقل إليها بعضا من روحه، ولكن مع توالي الأيام بدأ السيد الموت يفرض رائحته الثقيلة وحضوره الدائم على المكان، ضاع العطر وتبدد الجمال وذرت الروح ولم تبق إلا رائحة العفن، بعد أيام لم يكن أحد قادرًا على الاحتمال، انتزعوا بقايا جسدها منه وهو يبكي، وبعد أن تم دفنها ظل مقيمًا على قبرها، رافضًا أن يذهب إلى أي مكان آخر، كان يدرك أن النهاية قادمة، وعندما تحين اللحظة، لم يكن يريد أن يكون بعيدًا عنها، فقد جسده إرادة الحياة، وأخذته الغواية إلى أبعد مداها، واختصرت دولته الواسعة ـ التي كانت تمتد من حدود الصين إلى هضاب الأندلس ـ إلى تلك البقعة الصغيرة من الأرض، وكان آخر الملوك الذين ماتوا عشقًا.

ـــــــــــــــــــــــــــــ
من فضاء المعرفة