الأحد، 22 ديسمبر 2013

كيف يفكر الناجح ؟ وكيف يفكر الفاشل .. ؟



ليس من انسان إلا ويود أن يكون ناجحا في حياته بعيدا عن الفشل وسبله ، ولكن قليلا منهم من يعرف كيف يفكر الناجح وكيف يفكر الفاشل ؛ولذا تجد كثير منهم يزعم أنه ناجح في حين أن تفكيره لا يمكن إلا أن يقوده إلى الفشل ، بل ربما إلى الفشل الذريع أو الفشل الذي ليس له مثيل . وإليكم أربعة عشر فرقا يميز تفكير الناجح عن تفكير الفاشل ، وأنا أدعوك إلى التأمل فيها بعمق ثم إلى تغيير نمط تفكيرك لينسجم مع تفكير الناجحين وليتنافر مع تفكير الفاشلين: 

1- الناجح يفكر في الحل ، والفاشل يفكر في المشكلة . 

2- الناجح لا تنضب أفكاره ، والفاشل لا تنضب أعذاره . 

3- الناجح يساعد الآخرين ، والفاشل يتوقع المساعدة من الآخرين .

 4- الناجح يرى حلا في كل مشكلة ، والفاشل يرى مشكلة في كل حل

5- الناجح يقول : الحل صعب لكنه ممكن ، والفاشل يقول : الحل ممكن ولكنه صعب 

 6- الناجح يعتبر الإنجاز التزاما يلبيه ، والفاشل لا يرى في الإنجاز أكثر من وعد يعطيه ..

 7- الناجح لديه أحلاما يحققها ، والفاشل لديه أوهام وأضغاث أحلام يبددها 

 8- الناجح يقول : عامل الناس كما تحب أن يعاملوك ، والفاشل يقول : اخدع الناس قبل أن يخدعوك .

 9- الناجح يرى في العمل أمل ، والفاشل يرى في العمل ألم .

 10- الناجح ينظر للمستقبل ويتطلع لما هو ممكن ، والفاشل ينظر للماضي ويتطلع لما هو مستحيل .

 11- الناجح يختار ما يقول ، والفاشل يقول دون أن يختار . 

12- الناجح يناقش بقوة وبلغة لطيفة ، والفاشل يناقش بضعف وبلغة فظة .

 13- الناجح يتمسك بالقيم ويتنازل عن الصغائر ، والفاشل يتشبث بالصغائر ويتنازل عن القيم .

 14- الناجح يصنع الأحداث ، والفاشل تصنعه الأحداث .

قصة ... طالوت و جالوت




في بدايه القصه يجب ان نعرف بعض الاشياء عن حال بنو إسرائيل قبل داوود
 
توفي سيدنا موسى و توفي قبله سيدنا هارون عليهما السلام و تركا وراءهما ميراث الرسالة الالهية  ترك لهم موسى عليه السلام التوراة و ترك لهم صحفاً مقدسة  وضع سيدنا موسى التوراة و الصحف في صندوق و سلّمه الى وصيّه يوشع بن نون ، الفتى الذي أخذه موسى عليه السلام معه في رحلته الى “مجمع البحرين”


مرّت أربعون سنة و بنو اسرائيل يدورون في صحراء سيناء  و كانوا يخافون الحرب ، و يخافون الوثنيين العمالقة الجبارون الذين يحكمون الأرض المقدسة  عندما أصبح يوشع بن نون نبياً كان قد مات الكثير من بني إسرائيل ، و جاء جيل جديد لا يخاف الحرب و لا يخاف من العمالقة
لهذا دعاهم يوشع بن نون لتحرير الأرض المقدسة فاستجابوا له  وقاد يوشع بن نون المؤمنين و حارب بهم الكفار و انتصر عليهم و دخل الأرض المقدّسة . وقامت دولة لبني اسرائيل ، و لم تستمر هذه الدولة طويلاً  لأن بني اسرائيل بعد وفاة يوشع بن نون عادوا الى المعاصي وعبد بعضهم الأصنام ، واستخفوا بصندوق العهد ، ولم يزل بين أظهرهم من الأنبياء من يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكرات
وعندما ضعف ايمانهم اصبحوا أمّة ضعيفة فسلط الله عليهم أعداءهم ، حكم جالوت الأرض المقدسة ، وراح يقتل رجال بني اسرائيل و يستعبد نساءهم ، ثم شرّدهم من أرضهم ، و أخذ منهم صندوق العهد ، وقتل منهم مقتلة عظيمة ، وسقطت دولتهم ، وأصبحوا مستعبدين ، وانقطعت النبوة من أسباطهم ، ولم يبقى من السبط الذى يخرج منه أنبياءهم الا امرأة حامل من زوجها الذى قتل ، فأخذوها وحبسوها فى بيت واحتفظوا بها لعل الله يرزقها غلاما يكون لهم نبيا .

فسمع الله دعاءهم ووهبها غلاما ، فسمته صمويل “شمويل” ومعناه بالعبرانية إسماعيل ، أي سمع الله دعائي .
فأنبته الله نبايا حسنا ، ولما بلغ سن الأنبياء أوحى الله اليه ، وأمره الله بالدعوه اليه وتوحيده و و تذكير قومه بتعاليم التوراة .

بينما هو ذات ليلة نائم : إذا صوت يأتيه من ناحية المسجد فانتبه مذعورا ظانا أن الشيخ يدعوه .
فهرع أشموئيل إلى يسأله : أدعوتني ؟
فكره الشيخ أن يفزعه فقال : نعم،، نم ،، فنام.
ثم ناداه الصوت مرة ثانية،، وثالثة ، وانتبه إلى جبريل عليه السلام يدعوه: إن ربك بعثك إلى قومك .
فذهب إلى قومه وقال لهم : انكم ضعفتم لأن الأيمان في قلوبكم أصبح ضعيفاً.. انتم تحبون الذهب اكثر من ربّ العالمين ، تخافون من الوثنيين و لا تخافون من الله.
وندم بنو اسرائيل وعادوا الى تعاليم الدين فعاد الأيمان الى قلوبهم 

 اختيار طالوت ملكا 
 وذات يوم ذهب بنو إسرائيل لنبيهم. سألوه: ألسنا مظلومين؟
قال: بلى
قالوا: ألسنا مشردين ؟
 قال: بلى
قالوا: لقد قهرنا جالوت ، و اذلّنا بظلمه.. فاسأل الله أن يبعث لنا قائداً و ملكاً لنقاتل تحت لوائه في سبيل ونستعيد أرضنا ومجدنا .
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ)
قال نبيهم وكان أعلم بهم : هل أنتم واثقون من القتال لو كتب عليكم القتال ؟
قالوا: ولماذا لا نقاتل في سبيل الله، وقد طردنا من ديارنا، وتشرد أبناؤنا، وساء حالنا ؟
( قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا)
قال نبيهم: إن الله اختار لكم طالوت ملكا عليكم. (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا)
كان طالوت شاباً فقيراً ، من ذرية بنيامين ، بنيامين شقيق يوسف عليه السلام ..
قالوا : كيف يكون ملكا علينا وهو ليس من أبناء الأسرة التي يخرج منها الملوك -أبناء يهوذا- كما أنه ليس غنيا وفينا من هو أغنى منه ؟
( قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ)

قال نبيهم : إن الله اختاره، وفضله عليكم بعلمه وقوة جسمه .
( قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)

قالوا: ما هي آية ملكه ؟
قال لهم نبيهم: يسرجع لكم التابوت تجمله الملائكة .
قال لهم نبيهم: ان آيته ان يأتيكم صندوق العهد الذي فيه ميراث موسى و هارون .
(وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)

قالوا :كيف ؟!
قال النبي :اذهبوا الى الصحراء و سوف ترون ذلك بأعينكم .
سكت بنو اسرائيل ، لم يبق امامهم إلاّ أن يسلّموا لارادة الله ، ولكن كيف سيأتي صندوق العهد ؟! هكذا راحوا يتساءلون .
قال لهم النبيهم: سيأتيكم الصندوق تحمله الملائكة  ،فهل تريدون آية أكبر من ذلك ؟!
و خرج بنو اسرائيل الى الصحراء يترقبون المشهد المثير . و جاءت اللحظة المرتقبة و رأى بنو اسرائيل صندوق العهد و قد غمرته أنوار الملائكة .
و هبط الصندوق المقدس برفق بين يدى طالوت ، وشعر بنو اسرائيل بالسكينة والايمان يملأ قلوبهم ، ها هو صندوق العهد رمز عزتهم يعود اليهم مرّة أُخرى . و هكذا أصبح طالوت ملكاً على بني اسرائيل و ساد النظام حياتهم .
 

قيادة طالوت للجيش وقرار الانطلاق للجهاد :

——————————————–

اعلن طالوت انه يستعد للجهاد في سبيل الله ، و أن على بني اسرائيل ، أن يتهيأوا للحرب ضد جالوت الظالم .
مرّة أخرى تناسى بنو اسرائيل العهد الذي قطعوه على انفسهم لقد طلبوا من النبي أن يبعث الله لهم ملكاً ليقاتلون معه في سبيل الله سبحانه و استجاب لهم واختار لهم طالوت عندما أعلن طالوت انه سيجاهد في سبيل الله ، تراجع بنو اسرائيل وخانوا العهد .
القليلون فقط استجابوا لطالوت ، كانوا مؤمنين بالله مطيعين لنبيهم وملكهم ، أمّا الأكثر فقد كانت تميل الى حياة الذل والعبودية ، ولكن طالوت والمؤمنين استطاعوا ان يؤلفوا جيشاً من بني اسرائيل . و أعلن طالوت انه سيزحف بالجيش في الصباح .
عندما اشرقت الشمس كان الجنود يستعدون للتحرك ، والايمان يملأ قلوبهم باستعادة أرضهم و بلادهم و قهر الكفار .
في الطريق أعلن طالوت بياناً هاما . (فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ)
قال الملك طالوت لجنوده: سنصادف نهرا في الطريق (نهر الأردن حاليا) ، فمن شرب منه فليخرج من الجيش، ومن لم يذقه وإنما بل ريقه فقط فليبق معي في الجيش..
وجاء النهر فشرب معظم الجنود ، وخرجوا من الجيش ، وكان طالوت قد أعد هذا الامتحان ليعرف من يطيعه من الجنود ومن يعصاه ، وليعرف أيهم قوي الإرادة ويتحمل العطش، وأيهم ضعيف الإرادة ويستسلم بسرعة. لم يبق إلا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا ، لكن جميعهم من الشجعان .
(فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ)
كان عدد أفراد جيش طالوت قليلا، وكان جيش العدو كبيرا وقويا.. فشعر بعض -هؤلاء الصفوة- أنهم أضعف من جالوت وجيشه وقالوا: كيف نهزم هذا الجيش الجبار..؟‍‍‍‍‍‍‍‍‍! قال المؤمنون من جيش طالوت: النصر ليس بالعدة والعتاد، إنما النصر من عند الله.. كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ .. فثبّتوهم .

خروج داوود لمقاتلة جالوت : ——————————

(وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)
وبرز جالوت في دروعه الحديدية وسلاحه، وهو يطلب أحدا يبارزه ، وخاف منه جنود طالوت جميعا ،وسخر جالوت من طالوت و جنوده لأن أحداً لا يريد مبارزته. وهنا برز من جيش طالوت راعي غنم صغير هو داود.
كان داود مؤمنا بالله ، وكان يعلم أن الإيمان بالله هو القوة الحقيقية في هذا الكون، وأن العبرة ليست بكثرة السلاح ، ولا ضخامة الجسم ومظهر الباطل وكان صغير السن جدا للقتال.
وكان الملك قد قال : من يقتل جالوت يصير قائدا على الجيش ويتزوج ابنتي ، ولم يكن داود يهتم كثيرا لهذا الإغراء.. كان يريد أن يقتل جالوت لأن جالوت رجل جبار وظالم ولا يؤمن بالله ، وسمح الملك لداود أن يبارز جالوت..
وتقدم داود بعصاه وثلاثة أحجار ومقلاعه (وهو نبلة يستخدمها الرعاة) دهش جالوت لمنظر ذلك الفتى صغير السن وهو يتقدم اليه دون سيف و لا رمح .
قال جالوت :انك ولا شك تريد أن تموت ايها الفتى ، اذهب وارسل أحد الرجال أقاتله.. فانى لا أحب قتلك. قال داود: ولكننى والله أحب قتلك . قال جالوت: فأين سيفك اذن و رمحك و معدّاتك الحربية ؟ قال داود :إن سلاحي الإيمان وأقاتلك باسم الله .
فغضب جالوت وتقدم مدججا بالسلاح والدروع ،ووضع داودالأحجارفي مقلاعته وطوح به في الهواء وأطلق الحجارة  ،واصطدم الحجارة برأس جالوت فقتله .
وبدأت المعركة ، وانتصر جيش طالوت على جيش جالوت . بعد فترة أصبح داود عليه السلم ملكا لبني إسرائيل ، فجمع الله على يديه النبوة والملك مرة أخرى .
(فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ)

ــــــــــــــــــــــــــــــــ
من فضاء المعرفة 


الأحد، 15 ديسمبر 2013

الثورة والإنقلاب بمصر ... إختلاط المفاهيم


الثورة والانقلاب بمصر ... إختلاط المفاهيم

لاشك أن مصر لم تتعرض طيلة تاريخها المعاصر إلى هذا المستوى العميق من الاضطراب والفوضى وحجم الاستقطاب والانقسام المجتمعي الذي بات يهدد -جديا- بتفجير بنيتها السياسية والاجتماعية.

ويمكن أن نعزو شدة هذا الاستقطاب إلى تلك المتغيرات السريعة والحادة التي أطاحت بنظام سياسي تجاوز عمره نصف قرن بأدوات افتراضية، دون أن يستعد أو يتخيل ثوار قنوات التواصل الاجتماعي عبر تقنية الاتصالات نوع النظام أو شكله، مما وضع المجتمع وجها لوجه أمام نفسه لتتفجر كل تناقضاته و"احتقاناته" وتوجهاته دون ضابط أو قيد أو شرط، وشكل انعكاسا خطيرا لاختلاط المفاهيم والقناعات في النظرة إلى ماهية هذه المتغيرات.

في ظل هذه الفوضى المجتمعية والسياسية والقيمية، لم يكن هناك في مصر سوى جهتين احتفظتا بتنظيمهما وقيادتهما وتوجهاتهما قبل حصول التغييرات وفي ظلها ولا تزال: العسكر بقيادة مؤسسة الجيش، والإسلاميون بقيادة تنظيم الإخوان المسلمين، وهما حاليا ومناصروهم -محليا وإقليميا- يشكلان رأس الحربة في هذا الاستقطاب والانقسام، وحولهما يدور موضوع في اختلاط مفاهيم الثورة والانقلاب والشرعية والمشروعية.

ثورات غير ناضجة


لم تكن سرعة عقارب الساعة في ساحات وميادين التحرير تسير بنفس سرعة عقارب الساعة في الحارات الضيقة والمزارع البعيدة والمصانع، ولم تلحظ الشرائح الاجتماعية المليونية أي فرق على الأرض.. لقد غيروا طاقم الحكم الذي يجلس في القصر، ولكن من سيغير واقعهم؟ نزلوا لإسقاط النظام، ولكن ماذا بعد إسقاط النظام؟


 الشباب الذين شكلوا رأس الحربة في المظاهرات والاعتصامات كانوا أقرب إلى الاختفاء بعد الثورة في عالمهم الافتراضي، فهم أصلا غير متعارفين وليس لديهم تنظيم، ناهيك عن انعدام خبرتهم السياسية بما يوازي حجم الفعل الجبار الذي أنجزوه والذي تفاجأ به الجميع دون استثناء.

كان الاحتقان والبطالة والفساد والشعور باليأس والإحباط أهم العوامل التي وقفت خلف تلك الملايين الهادرة التي نزلت إلى الشوارع يوم 25 يناير/كانون الثاني 2011 وحولت نظام حسني مبارك إلى نظام من ورق، ودباباته وأسلحته إلى خردة من حديد.

بعد انجلاء الغبار عن المظاهرات المليونية، لم يكن في الساحة السياسية المصرية وكنتيجة مباشرة لاختفاء الفكرة الواضحة عن شكل النظام ما بعد الثورة، أي قيادات ثورية منظمة تعرف ماذا تريد.

فقد تمخضت هذه الساحة المضطربة عن قطبين فاعلين لخوض الصراع صعودا إلى السلطة، وكان من أولى ثمرات الديمقراطية في الانتخابات صعود الجهة السياسية الوحيدة المتمرسة والمنظمة مسبقا منذ عقود -ماليا واجتماعيا وسياسيا- إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع، ونقصد بها التيار الإسلامي بقيادة تنظيم الإخوان المسلمين.

وهذه الموجة في كل الأحوال لم تكن مقتصرة على مصر الثورة، بل غطت معظم سماء الربيع العربي نتيجة الفشل والعجز التاريخي للأحزاب والتيارات الأيدولوجية القومية واليسارية التي انكفأت ولم يبق منها سوى هياكل فارغة، في حين اضطر العسكر تحت ضغط حرارة الثورة ومفهوم الديمقراطية الجديدة للعودة إلى ثكناتهم ولو حتى حين.

الانقلاب ثورة مزيفة


لعله من الإنصاف القول بأن مدة سنة واحدة هي فترة حكم الإخوان غير كافية بكل المقاييس الموضوعية للحكم عليها كتجربة, ولا توازي حجم رد الفعل المبالغ فيه الذي حصل يوم 30 يونيو/حزيران الماضي وما أعقبه من إجراءات وصلت حد الانقلاب العسكري.

وفي الحقيقة هناك عدة عوامل محلية وأخرى خارجية إقليمية ودولية تضافرت لإنتاج ما جرى يوم 30 يونيو/حزيران، فمحليا قوى الثورة المضادة وقد استفاقت من صدمتها عادت هذه المرة لتنظم صفوفها متسترة خلف نياشين ومعاطف العسكر المتربص أصلا للانقضاض على السلطة.

والحال أنها كانت تستغل شعور الإخوان بنشوة النصر ومحاولتهم المتعجلة لتحقيق أقصى استثمار للفوز من خلال الاستحواذ والهيمنة على كافة مفاصل الدولة وإعطائهم إشارات ليست في محلها، سواء للتشبث بالسلطة عبر رفض الانتخابات المبكرة التي كانت بمثابة مخرج في حينها، أو على مستوى صياغة الدستور الجديد ومحاولة فرض بعض نصوصه، أو التدخل في مسار الحياة الثقافية العريقة في مصر، مما جعلها هدفا سهلا لقوى الثورة المضادة للتحريض ضدها تحت ذريعة "أخونة" أو "أسلمة" مصر، الأمر الذي أثار حفيظة الكثير من الشرائح المترقبة أو الأقليات الدينية المتخوفة، والتي لم تكن مستعدة بعد لمثل هذا التغيير الأيدولوجي لبلد عرف عبر تاريخه المعاصر بعلمانيته وكونه مسرحا للثقافة والانفتاح رغم تصاعد موجة التوجهات الإسلامية.


  يكن العامل الخارجي أقل تأثيرا في ما آلت إليه الأمور يوم 30 يونيو/حزيران وما أعقبه، فقد انعكس التنافس والصراع الإقليمي وتحديدا العربي مع أو ضد حكم الإخوان، على تعميق الشرخ المصري.

ومن الواضح أن ضوءا أخضر أعطي للعسكر لحسم الأمور مبكرا بدليل الصمت العربي والدولي الذي أعقب الإطاحة بأول حكومة في تاريخ مصر الحديث منتخبة شرعيا وعبر صناديق الاقتراع.

 
شكلت لحظة 30 يونيو مفترقا خطيرا في انقسام المجتمع المصري واختلاط المفاهيم والقناعات التي أدت إلى عملية استقطاب خطيرة قد تضع مستقبل مصر في مهب الريح، في ظل تمسك كل طرف وقطب بقناعاته ومفهومه لمعنى الثورة والانقلاب.

الخسائر غير المنظورة

لا شك أن حزمة الإجراءات التي أعقبت 30 يونيو وأخذت أسلوبا فظا عبر التنكيل المفرط بقيادات الإخوان والتشهير بهم واجتثاث جميع مؤسساتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية، الأمر الذي قد يعزز من مكانتهم ويزيد من رصيدهم في نفوس الملايين من الشباب الذين توفر لديهم قسوة هذه الإجراءات ما يمكن أن نطلق عليه "مظلومية الإخوان" التي قد تستغل من الأجنحة الإسلامية المتطرفة في عدم جدوى العمل السياسي السلمي، مما قد يدفع هؤلاء الشباب المتحمس باتجاه التطرف كرد فعل غير منظور قد يعبر عن نفسه بأشكال مختلفة قد يكون أحدها ممارسة العنف في ظل بيئة إقليمية مواتية.

قبل الولوج إلى احتمالات المشهد المصري لا بد من حساب خسائر هذا المشهد جراء الاهتزازات العنيفة التي عصفت بأسسه ومرتكزاته نتيجة اختلاط الرؤى والقناعات، وفي ظل الانقسامات الحادة في المجتمع. ويمكن تلخيص هذه الخسائر كما يلي:

أولا- تم الإجهاز والانقضاض على أول تجربة حقيقية في تاريخ مصر المعاصر، حيث مارس الشعب من خلالها الديمقراطية بمعنى الانتخابات النزيهة عبر صناديق الاقتراع، وكان من الأجدر الحفاظ على هذه التجربة الفتية وإجراء التغيير المنشود عبر صناديق الاقتراع، وفي أسوا الاحتمالات الضغط من أجل انتخابات مبكرة عوضا عن انقضاض العسكر وعودة مصر إلى المربع الأول.

ثانيا- اهتزاز سمعة المؤسسة القضائية المصرية العريقة من خلال سرعة انصياعها لتوفير الغطاء القانوني للتغيير العسكري، ولاسيما إجراءات اعتقال الرئيس وبقية قيادات الدولة واجتثاث كافة أذرع تنظيم الإخوان المسلمين السياسية والاجتماعية والاقتصادية، مما يثير أكثر من علامة استفهام.

ثالثا- انعدام الثقة المستقبلية في استقرار أي نظام سياسي مصري قادم في ظل تدخل المؤسسة العسكرية الذي افتقر إلى مبادئ الشرعية والمشروعية والذي فجر انقساما حادا في المجتمع المصري وشعورا قاسيا بالمظلومية لدى شرائح لا يمكن الاستهانة بها، سياسيا ودينيا واجتماعيا.

مشاهد مصر المحتملة

بالنظر إلى ما سبق، يمكن التنبؤ بالمسارات المحتملة التي قد تتخذها الأزمة في مصر عبر المشاهد المحتملة التالية:
 
 لأول- تكرار السيناريو الجزائري الذي أعقب انقلاب العسكر على الجبهة الإسلامية للإنقاذ بعد فوزها عام 1991 في انتخابات ديمقراطية، وهو الانقلاب الذي أدخل البلاد في دوامة من العنف ضربت البلاد عشر سنوات وذهب ضحيتها قرابة مائتي ألف ضحية.

الثاني- المصالحة والحل التوفيقي الذي يمكن أن يتم من خلال العفو عن قيادات الإخوان وعدم حظر نشاطهم السياسي المعلن أسوة ببقية التنظيمات، وانتظار الانتخابات كي تفرز إرادة الشعب المصري والقبول بما تتمخض عنه صناديق الاقتراع. هذا السيناريو رغم أنه يشكل المخرج الوحيد الذي قد يحول دون دخول مصر إلى نفق الفوضى، فإنه يبدو مستبعدا في ظل الإجراءات الحالية المتسارعة التي تتخذها السلطات لقمع واجتثاث هذا التنظيم العريق وقاعدته الشعبية العريضة.

الثالث- الانزلاق تدريجيا إلى مستنقع الفوضى وحافة الانهيار الاقتصادي من خلال استنزاف الجيش المصري ومؤسسات الدولة نتيجة تنامي عمل التنظيمات الإسلامية "المتطرفة" التي ستجد في قواعد الإخوان المسلمين -التي ستلجأ حتما إلى العمل السري تحت الأرض- حاضنة مثالية وملائمة لنقل عمل هذه التنظيمات المسلحة وتشكيل بؤر لا يمكن السيطرة عليها، في ظل ثورة التقنيات الحديثة والاتصالات وخصوصية جغرافيا انتشار قواعد التنظيم في محافظات الصعيد وسيناء.
  
 
ــــــــــــــــــــــــــ
كنبه بالجزيرة نت  خالد المعيني

السبت، 14 ديسمبر 2013

امرأة ... لعبتها السلاطين





امرأة.. لعبتها السلاطين


كانت قوة شخصيتها وقدرتها على السيطرة سبباً في عزل سبعة عشر رجلاً من أعلى مناصب الدولة، بعد أن أصبحت الحاكم الفعلي للبلاد، فيما كان السلطان صبياً.
عندما كان السلطان أحمد الأول ـ صاحب الجامع الأزرق باستانبول ـ يحتضر لم تكن السلطانة (قوسيم) تستطيع أن تتصور كيف يمكن لولده الأكبر (عثمان) من زوجته الأولى (ماخفيروز) أن يصير سلطانا. ولم يكن صغر سن عثمان ـ الذي لم يتجاوز الثامنة عشرة ـ هو ما يشغل بال السلطانة خوفا على السلطنة، فقد كانت تدرك ألاعيب ودسائس رجال السراي، وما يمكن أن يوحوا به إلى عثمان إذا تولى السلطنة من قتل إخوته ـ كما هي عادة السلاطين العثمانيين ـ فور أن ينجب أبناء له حتى يضمن أن تكون الولاية لولده من بعده. وإذ كان للسلطانة قوسيم عدة أبناء آخرين من السلطان أحمد تخشى عليهم، فلم يكن أمامها إلا أن تتخذ موقفا حاسما تقنع به السلطان المحتضر. فراحت تناور بشكل يرمي إلى استبعاد ولده الأكبر لحساب عمه مصطفى. فهي تدرك أن هذا الأخير ليس له أبناء علاوة على أنه مختل عقليا، بما لايتيح له أن يتمكن من الحكم طويلا، ومع استبعاد عثمان فسوف يتسنى لأحد أبنائها ارتقاء العرش العثماني.
حققت السلطانة هدفها الأول عندما تولى مصطفى السلطنة بالفعل بعد رحيل السلطان أحمد. وإذا كان هذا هو ما عملت له قوسيم وانتظرت أن يتضح عجزه عن الحكم من الناحية العملية فينحى لصالح أكبر أبنائها، إلا أن رجال القصر كانوا أسرع منها حين جرى خلع السلطان مصطفى الأول بعد شهور ثلاثة من توليته بتحريض من (أغاسي الحريم) في القصر. وكان هذا الأغاسي نصير العثمان، واستطاع أن يعمل بسرعة للمناداة بعثمان أكبر أبناء السلطان أحمد ليتولى السلطنة باسم عثمان الثاني.
على الرغم من صغر سن عثمان، فإنه يتكشف عن رجل ذي شخصية قوية عازم على تولي مسئوليات السلطنة وكسب الاحترام لها. وما أسرع ما تخلص من كيد حريم القصر وفرض العزلة على السلطانة الوالدة (قوسيم). ويجري السلطان الجديد تغييرات كثيرة في نظام الحكم فيعين صدرا أعظم جديدا ومسئولين كبارا آخرين، ثم يعمل على إجراء إصلاحات يقيد من خلالها سلطة العلماء وامتيازاتهم المادية، ويفكر في (تتريك) الإدارة والجيش باللجوء في ذلك إلى عناصر أناضولية. وتجد السلطانة الوالدة فرصتها لاستعادة نفوذها باستثارة معارضي السلطان ممن خسروا مواقعهم وخاصة العسكريين من الانكشارية، الذين يتمردون مطالبين بتنحية مستشاري السلطان الرئيسيين. ويؤدي رفض السلطان إلى تفجير رد فعل عنيف من جانب الانكشارية بتحريض من السلطانة الوالدة، فهم يتسللون إلى القصر ويفرجون عن السلطان السابق مصطفى وينادون به سلطانا من جديد. وما تكاد تمضي فترة قصيرة حتى تكون قوسيم قد لعبت دورا مؤثرا ليتم القبض على عثمان بعد خلعه ثم إعدامه في نهاية الأمر! ويفرض الانكشارية إرادتهم في تعيين المسئولين الجدد، وينشرون الفوضى في العاصمة. ولكن جنون السلطان مصطفى يؤدي إلى تشجيع تحركات قوسيم التي تتوصل إلى تعيين صدر أعظم من أنصارها، يزيل تدريجيا مدبري الانقلاب، ليتم بعد ذلك خلع السلطان مصطفى للمرة الثانية، والمناداة بأكبر أبناء قوسيم البالغ من العمر أحد عشر عاما سلطانا تحت اسم (مراد الرابع).
اطمأنت قوسيم إلى انتقال الأمر إلى ابنها الصغير. ومنذ تلك اللحظة استقرت السلطة بين يديها. وبدأت بما تتمتع به من شخصية مسيطرة في توجيه شئون الحكم بشكل فعلي طوال عشر سنوات، معتمدة على رجال السراي الذين تغيرهم على هواها وبحسب الظروف. فقد راحت قوسيم تعين وتعزل من يتولون منصب الصدر الأعظم حتى أنه من بين ثمانية منهم هلك ثلاثة قتلى، كما تغير تسعة في منصب الباش دفتر دار المسئول المالي للدولة. وكانت قوسيم ـ نظرا لخطورة هذين المنصبين ـ تحاول من خلال قرارات العزل والتعيين بل والقتل باسم السلطان الصبي، إيجاد حلول للمصاعب السياسية والمشكلات المالية التي كانت قد استفحلت أواخر حكم السلطان المقتول عثمان، وما أدت إليه من انتصار الميول الأنانية والنزاعات المتعددة وردود الأفعال الفئوية في صفوف الجيش وفي صفوف الإدارة المدنية على السواء.
وفي الواقع فإن السلطانة الوالدة كان لابد لها من أن تلجأ إلى هذا العنف في ظل هذه الظروف. فحين كان السلطان مراد لايكاد يستكمل العام الثاني من حكمه، قامت تمردات في القرم والأناضول ومصر واليمن ولبنان، مما أدى إلى زعزعة النظام السياسي وضرورة إرسال القوات إلى مختلف الجبهات. ولم يكن من المعقول أن تترك قوسيم الأمور لتستفحل بين الأشخاص الذين يمكنهم التحرك فينهمكون في نزاعات تنافسية سعيا إلى أطماع مادية لامستقبل لها، وهي ترى كل مسئول كبير يسعى إلى أن يختلق لنفسه زمرة بهدف تكوين جماعة ضغط أو قوة مقاومة. وزاد الطين بلة أن شاه إيران شن هجوما على العراق واستولى على بغداد وجزء من كردستان.
ولم تستطع قوسيم مواجهة كل هذه المواقف إلا باللجوء إلى العنف والضرب بيد من حديد على من يتسببون في التمرد، ولايستثني القمع عددا من أفراد أسرة السلطان نفسه. ولم يكن مراد الرابع بعيدا عن كل هذه الأحداث التي تواجهها أمه السلطانة الوالدة باسمه. وحين اشتد عوده وتجاوز العشرين عاما، وبدعم من الصدر الأعظم الجديد محمد باشا تابانياس، تمت استعادة النظام وهيبة السلطنة. وحين أدى حريق ضخم إلى تدمير أربعة أخماس استانبول واستثارة موجة من السخط تعبر عن نفسها بشكل خاص في المقاهي، تشجع قوسيم ولدها على إصدار فرمان بحظر استخدام القهوة والتبغ وإغلاق المقاهي في كل أنحاء الإمبراطورية. وبعد عام واحد يصدر أمرا بإغلاق الحانات وحظر تناول النبيذ. وكانت هذه المحظورات موضع تطبيق صارم تسهر عليه السلطانة الوالدة شخصيا من خلال أنصارها. ومنذ ذلك الوقت يظهر مراد الرابع بوصفه مستعيدا للفضائل الدينية والأخلاقية، وخاصة بعد أن أصدر عددا آخر من الأحكام الإدارية والمالية، واستطاع أن يسترد بغداد من الإيرانيين. وهكذا تمكن بمساندة السلطانة الوالدة من استعادة هيبة الدولة.
تصارع النساء
كل ذلك الاستقرار لم يستمر طويلا بعد أن مات مراد الرابع وهو في الثامنة والعشرين، وتولى السلطنة من بعده أخوه إبراهيم الأول. وبالرغم من كل محاولات أمه قوسيم لمساندته فإنه كان مريضا عاجزا أكثر انشغالا بشهواته الشخصية من ممارسة شئون الحكم، التي كان لابد أن تعود إلى يدي السلطانة الوالدة من جديد. وإذا كانت الأعوام الأولى لعهده قد مرت دون كثير من المصاعب أو الصدمات بفضل الإدارة الحكيمة، فإن دسائس حريم القصر وأطماع جينجي خوجا مستشار السلطان أدت إلى عزل الصدر الأعظم الذي كان ذا حظوة عند السلطانة.وكان لابد لقوسيم أن تواجه مرة أخرى الطامعين الجدد على منصب الصدر الأعظم، في وقت كان السلطان إبراهيم يقضي كل وقته بين شهوات الحريم. وتذهب كل نصائح قوسيم لولدها سدى وهي ترى بعينيها كيف تضيع الإمبراطورية. وتنشب القلاقل في الولايات ويتكاثر المتآمرون لينتهي الأمر بخلع السلطان إبراهيم، دون أن يدري أحد من كان وراء تمرد الانكشارية الذين خلعوه وقتلوه.ويتولى السلطنة محمد الرابع ابن إبراهيم وحفيد قوسيم، وهو بعد في السادسة من العمر. وتحاول قوسيم مواصلة ممارستها للسلطة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ولكن الأمر يكون قد أفلت من يدها. فقد راحت (خديجة طورخان) أم حفيدها تصارع الجدة النفوذ، وتقنع ولدها بأن جدته كانت وراء مصرع أبيه، ويكون ما لابد أن يكون. فمع تصارع المرأتين تنتصر خديجة وتقهر قوسيم، وتسلط أم السلطان على جدته من يقتلها خنقا، لتريح وتستريح.

عندما سقط القناع ... !!!







عندما سقط القناع
 
ماذا يحدث عندما يسقط القناع وينقلب الحلفاء إلى أعداء؟ وهل يمكن أن يتم هذا التغيير بين يوم وليلة ليتحول إلى قتال وهزيمة نكراء..!؟
هكذا كان الحال بين والي مصر محمد علي باشا والسلطان محمود الثاني الخليفة العثماني في استانبول. أما لعبة التحول فقد لعبها بذكاء القائد إبراهيم بن محمد علي ليضرب ضربته القوية ضد الجيش العثماني في يونيو 1839، بينما كان هذا الجيش شريكا له في حروب المورة باليونان، ولكنه كان سببا في تدمير أسطوله المصري في واقعة نفارين..!
كان محمد علي يثق ثقة كبيرة في ولده إبراهيم الذي حقق له النصر في جميع الحروب التي خاضها لدعم حكم والده الكبير. لهذا لم يجد ما يمنعه من أن يناقش مع ولده رأيه القائل بأن مصر لم تكسب شيئا من وراء كل مساعداتها للسلطان، وما فقدته من رجال ومال وعتاد، وكان أخطر هذه الخسائر ما ذكره إبراهيم خلال مناقشته مع والده من نتائج تلبيته لدعوة السلطان لمساندته في حرب المورة.
قال إبراهيم لوالده: لقد عاد الجيش المصري من بلاء اليونان وقد أنهكته الحروب والأمراض، وتكبدت مصر في هذه الحملة متاعب ونفقات وضحايا هائلة.
وسأله محمد علي: وما هي تصوراتك للموقف وماذا تجد من حلول؟
قال إبراهيم: لقد ذهبت ومعي من القوات اثنان وأربعون ألفا وعدت ومعي اثنا عشر ألفا فقط، وذهبت وأسطولي يضم إحدى وخمسين سفينة حربية ومائة وستا وأربعين سفينة نقل، وبسبب تصرف أحمق من الأميرال طاهر باشا قائد الأسطول التركي وأنا غائب أقاتل داخل المورة، إذ به يشتبك مع أساطيل الإنجليز والفرنسيين والروس، فكان أن دمروا الأسطول المصري كله، هذا الخطأ منه لا أدري سره، خاصة أني كنت قد طلبت منه عدم التحرش بالأساطيل الدولية المتحالفة باعتبار أن العلاقات بين الدول المتحالفة، وبين تركيا ومصر لم تكن قد قطعت ولا أعلنت الحرب بين الجانبين.
ويسأله محمد علي: وهل كان يعلم باتفاقك مع الحلفاء؟
فأجاب إبراهيم: كان يعلم أني تعهدت لقائد الحلفاء بأننا لن نتحرش بأساطيلهم.
وعاد محمد علي يسأل: وما هي علاقة السلطان محمود بالتجاوز الذي قام به قائده؟
ورد إبراهيم: إن سوء النية والخديعة كامنان في موقف السلطان.. وهو لم يدع فرصة إلا واستغلها لشغل جيوشنا واستنزاف قواتنا، خوفا من أن يكون في عزمكم الاستقلال بمصر..!.
سر مؤامرة السلطان
كان ذلك في الواقع هو الحقيقة. فالسلطان محمود كان يعد مع حكومته ضربة قاصمة ضد محمد علي. وكانت المؤامرات تحاك حوله في العاصمة التركية، ولم يغب عنه أبدا أن السلطان قد ولاه مصر عام 1805 مكرها. وقد حاول في السنة التالية أن ينقله إلى ولاية سالونيك وأرسل موسى باشا حاملا فرمان سيده بتوليته بدلا منه ولاية مصر. كما أنه في عام 1813 اجتذب السلطان إلى صفه لطيف باشا أحد رجال الحكومة المصرية وسلحه بفرمان لتقليده الولاية إذا كللت مساعيه بالنجاح لقلب حكومة محمد علي الذي كشف سر المؤامرة. ولكي يذهب السلطان بعيدا في الكيد لمحمد علي فقد عين خسرو باشا صدرا أعظم وهو العدو اللدود لمحمد علي. ولم تفتر عزيمة السلطان لمحاولة عزل والي مصر.
هذه النوايا السيئة التي كان يضمرها السلطان لمحمد علي أيقظت الحذر بين جوانح الأخير، وجعلته يخطط مع ولده لكي يعلن الاستقلال في الوقت الملائم. ولعله اقتنع تماما حين قال له إبراهيم: "إذا ما ظل السلطان محمود على عرش الاستانة فلن نحقق أهدافنا. فلنحاول جهد طاقتنا أن نزيله عن عرشه، أو نلزمه باستقلال مصر..".
وكان لابد من سبب مباشر لبدء الحرب.
وجاءت اللحظة المرتقبة سريعا على يد عبدالله باشا الجزار والي عكا. فقد راح الجزار يكيل التهم جزافا ضد محمد علي، وأطلق عليه اسم "الثائر الخارج عن طاعة السلطان". وانطلق يطالب رعايا الدولة بان يعلنوها حربا شعواء ضده لنصرة سيده. وكانت القشة التي قصمت ظهر البعير حين أعلن صراحة أنه سيواجه بكل قوة طموح محمد علي، وأنه لن يفي بسداد الديون التي عليه لمصر، ولن يعيد الفلاحين المصريين الذين هاجروا إلى عكا.
وانفتح الباب أمام إبراهيم لتوجيه ضربة تأديبية للجزار..!
نصيبين وهزيمة السلطان
انطلقت الجيوش المصرية في الطريق إلى عكا. وقبل شروع إبراهيم في الهجوم دعا واليها الجزار إلى التسليم فأبى.، وطالت مدة الحصار لمتانة القلعة واستبسال حاميتها حتى اضطر إبراهيم إلى التقدم الخاطف للاستيلاء على الثغور الأخرى في الشام. في ذلك الوقت أصدر السلطان محمود فرمانا في 23 أبريل 1823 بإعلان الحرب رسميا على محمد علي لعصيانه وخروجه عليه، مع تجريده هو وإبراهيم وإباحة دمائهما. وإذ لم يذعن محمد علي للتهديد بادر السلطان إلى إعداد جيش يهاجم به قوات إبراهيم خلال انشغاله في حصار عكا. وواصل إبراهيم تقدمه نحو الشمال وسحق قوات السلطان في عدة معارك. وبعد أن اطمأن لموقفه العسكري عاد ليحمل حملته الأخيرة على عكا. ودافع عبدالله الجزار دفاعا مستميتا عن حصنه المنيع، إلا أن شجاعته لم تغن شيئا وكان لابد له من الاستسلام.
واصل إبراهيم زحفه بعد ذلك ضد جيوش السلطان. وتحقق له النصر في معارك حمص وبيلان وقونية حتى وقعت المعركة الأخيرة في نصيبين المسماة "معركة نزيب" في 23 يونيو 1839. في ذلك اليوم نشط الجيش المصري استعدادا للمعركة الفاصلة. واجتمع إبراهيم بضباطه في خيمته حيث أثنى على ما أبدوه خلال الأيام السابقة، وطلب إليهم أن يحققوا النصر ويرفعوا اسم مصر مثلما رفعوه من قبل. وختم إبراهيم حديثه مع الضباط بقوله: "غدا نلتقي الظهر في خيمة حافظ باشا قائد الجيش التركي حيث نحتسي القهوة"..!.
عند الفجر بدأت المعركة. ولم تمض ساعات حتى كانت الهزيمة قد حلت بجيش السلطان، وهرب حافظ باشا بعد أن وقع الاضطراب في صفوف الجيش العثماني كله. وفي داخل خيمته التي وجدها إبراهيم وكأنها قصر مشيد جلس مع ضباطه يتفحص خزينة حافظ باشا التي تركها بما فيها من آلاف الجنيهات، وبين أوراقه ورسوماته وخططه وجد إبراهيم فرمانا كان سيعين به حافظ باشا واليا على مصر بدلا من محمد علي..! وكانت الخيانة واضحة..!.
بعد نصيبين أصبح إبراهيم باشا سيد الأناضول على الإطلاق، وبات الطريق أمامه مفتوحا إلى الأستانة. وأرسل يستأذن والده في مواصلة الزحف إلى عاصمة السلطان ولكن وصله أمر بالتوقف.. و بينما كان السلطان محمود يتلقى أنباء استسلام جيشه كان هو قد بدأ يستسلم للموت ويلفظ أنفاسه الأخيرة على كرسي السلطنة.

القاهرة ... وضع أساسها غراب..!




 
 

قاهرة المعز.. وضع أساسها غراب..!

كان أبوالمسك كافور العبد الحبشي قد ادّعى لنفسه حكم مصر بعد موت آخر ملوك آل الإخشيد، فأطلق على نفسه اسم كافور الإخشيدي بعـد أن نسـب نفسه إليهم، وأقرّه الخليفة العباسي في بغداد على الحكم.

ولأنه كان عبداً رقيقاً، فقد كان مصاباً بعقدة النقص لوضاعة أهله، فصرف عنايته واهتمامه إلى محاولة شراء الذمم وتجميع الناس حوله وبخاصة الشعراء ليحـاولـوا مدحه بشعر ما أكذبـه، ووجّه كل اهتمامه للهو والبـذخ من أموال خزانة مصر وخراجها، ولما مات ترك البلاد وقد اختلت أحوالها واضطرب فيها ميزان الأمور وانتشـرت الفوضى وباتت المجاعة تأكل الناس دون أن تهتم الخلافة العباسية بما يجري.
 
ولكن كان هناك من الجواسيس والعيون مَن يمهدون للخلافة الفاطمية في القيروان بالمغرب، وسمع المعز لدين الله الخليفة الفاطمي في عاصمته بما يجري في مصر التي كان يضعها نصب عينيه لتكون مقرّاً لخلافته في قلب العالم الإسلامي يمد منها نفوذه شرقـاً وغرباً. فما أسرع ما أمر قائده جوهر الصقلي بالتحرك بجيش قوامه مائة ألف رجل لفتح مصر وإرساء قواعد الخلافة الفاطمية فـي أرضهـا الطيبة وفتح أبوابها لحكـم ودولة جديدين.
 
وتم لجوهر الفتح المنشود الـذي كـان يحـلـم بـه الفاطميون دون قتال ولا مقاومة تذكر، إذ كان الشـعـب الذي ضاق بالفوضى وسوء الأحوال يرجو على أيـدي الفاتحـين من آل البيت الفاطمي استقراراً هو في أشد الحاجة إليه وبخاصة مع طول ما عاناه من حكـم ذلك الخـصي الحبشي على مدى 24 عاماً.

كان وصول جوهر الصقلي إلى أرض مصر يـوم 6 يوليو عام 969 م حيث عبر بقواته مدينة الجيزة الواقعة على الضفة الغربية لنهر النيل في مواجهة العواصم الإسلامية الثلاث التي أنشئت من قبل على الضفة الشرقية للنهر.

الغراب يدق الأجراس 

كان مما دعا الشعب إلى الترحيب بالفاتح صـاحـب الجيش أنه لم يرهب الناس ولم يفرض عـلى الأهالـي قوانـين استثنائية، ولم يقيد لهم حريـة. بل أذاع فـيهـم مرسوم أمان أصبح المصريون بمقتضاه آمنين على أموالهم وأنفسهم ودياناتهم وكل ما يملكون.

في مساء اليوم نفسه، السادس من يوليو عسـكـرت الجيوش في الأرض الفضاء الواسعة التي يشرف عليـهـا تل المقطم من الشرق، ويحـدّها من الغرب مجرى مائي متفرع من النيل اسمه الخليـج المـصـري. وأمر جـوهـر الصقلي بأن تختط لمصر عاصمة جديدة تليق بخـلفـاء الدولة الفاطمية الذين خططوا ليحكموا العالم الإسلامي بأسره باعتبارهم خلفاء الرسول وأولـى وأحـق الـنـاس بحكم المسلمين. ولم يضيع جوهر الوقـت ولـو حـتـى انتظارا لضوء النهار التالي.

ورغم غروب الشمس وحلول الظلام، جمع القائد الحشود من الجنود والعمال بمعاولهم ورصهم على أضلاع المربع الذي حدده على الأرض بـواسطة قـوائـم من الخشب، وأوصل أعلى هذه القوائم بحبال مدلى منـها أجراس. وأوقف المنجمين المغربـيـين عـلـى اسـتـعـداد يتفحصون أدواتهم وطوالهم الفلكية، حتى إذا اطمأنوا إلى دخول الوقت المبشّر بالخير، حرّكوا الحبال لتمر عبرها الحركة - كتليفون بدائي - فتدق الأجراس إيذاناً بالعمل ليبدأ الجميع في رمي ما بأيديهم من طين وحجارة، ويشرع الحفارون في حفر أساسات القصور والأسوار.

ويبدو أن غراباً من غربان الليل كان يشاهد من مكمنه تلك الحركات الغريبة التي لم تحدث في ليالي ذلك المكـان من قبل. وربما اندهش الغراب من رؤية ذلك الحشد الهائل من الجنود الذين كانوا يستعدون لعملية إنشـاء المـدينـة الجديدة، لذلك فقد طار ليشاهد هذا التـجمع الغفير مـن الناس من زاوية أخرى، وحط عشوائياً على أحد الحبـال الممتدة بين الأعـمدة، فـتحـركـت على الـفور جـميـع الأجراس، وفي لمح البصر، بدأ الجميع في عملية البناء، اعتقادا منهم أن المنجمين قد وجدوا الطابع ذا الفأل الحسن وقرعوا الأجراس كـعلامة لبدء البناء، عندئذ صاح المنجمون بعد أن أخذتهم هذه المفاجأة غير المقصودة وقالوا "القاهر في الطالع " والقاهر هو كوكـب "المريخ" الذي يسمّيه العرب "قاهر الفلك"، ومن هنا جاء اسم "القاهرة"!

الدخول بتصريح..!

لم تكن القاهرة في أول عهدها مدينة يسكنها الناس، بل كانت عبارة عن معقل حصـين، يسكنه الخليفة الفاطمي وحريمه وأسرته وجنده وخواصه من المسئولـين ورجـال الدولة. ولا تضم المدينة من المباني سوى "القصريـن " القصر الكبير والقصر الصغير- وبعض قصور صغـيرة أخرى يسكنها الأمراء وقادة الجيوش وبعض المنشآت التي تتضمن معسكرات القبائل التي تؤلـف فـرق الجـيش بالإضافة إلى بعض الدور المخصصة لدواوين الحكـومـة المركزية وخزائن المال والسلام، ثم مبنى الجامع الأزهر الذي لم يكن بالاتساع الذي هو عليه الآن. وكان يـحـد المدينة من جوانبها الأربعة سور يحيط بها، مبني بالطوب اللبن، في كل ضلع من أضلاعه أقيم بابان كـبيران مبنيان من الحجر.

ولعل من أكثر الأمور غرابة أن الشعب المصري مـن سكان مصر القديمة (الفسطاط) والمدن والأقاليم المصرية الأخرى، لم يكن مسموحاً له بدخول مدينة القاهرة، فقد كانت مدينة ملكية عسكرية يسكنها الفاطميون، أما أبناء الشعب فلا يمكنهم الدخول إليها إلا بعد الحصول عـلى إذن أو تصريح خاص لا يصدر إلا بعد التحري الدقـيـق لمعرفة السبب في الدخول ثم دفع الرسوم المقررة، ولـم يكن مسموحـاً أيضـاً للسفراء والمفوضين الأجانـب بـأن يدخلوا القاهرة راكبـين خيولهم، بـل كـان عـلـيهـم أن يترجلوا ويتركوا خيولهم عند أحد الأبواب ويـدخـلوا المدينة سائرين على أقدامهم وتحت رقابة الحراس.

غير أن الشعب المصري لم يعدم وسيلة لمجابهة هـذا الوضع الغريب الشاذ، فازدادت حركة العمران فجـأة، وزحف الناس بمساكنهم تجاه المدينة الجديدة من كل جانب خارج أسوارها، وأحاطوها بالخطط الجديدة والبـيوت والشوارع والدروب والحواري، بل وحفروا قبورهم أيضاً بالقرب من أسوارها وأبوابها.

وهكذا لم يمض وقت طويل حتى تلاشت حـدود المدينة التي بناها المعز لدين الله، وسـط حـركـة الـبـنـاء المستمرة التي لا ينتهي زحفها نحو المدينة، وبمرور الأيام وازدياد حركة العمران، زالت جميع الأسوار التي بناهـا جوهر الصقلي ليحمي بها عاصمة الفاطميين واختفت معالمها تمامـاً. ولم يقم للقاهرة أسوار بعد ذلك إلا عـام 1079 بمعرفة بدر الجمالي، وكانـت أيـضـاً من الطوب اللبن، لذلك اندثرت مع مرور الزمن ولم يعد باقيـاً منها الآن أثر يذكر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من فضاء المعرفة

كيف ضرب الحجاج المسجد الحرام ... ؟؟!




 
 كيف ضرب الحجاج المسجد الحرام ؟

        
            (إن الجهاد باب من أبواب الجنة, من تركه ألبسه الله الذلّة وشمله بالصغار وسيم الخسف والضيم. وإني دعوتكم إلى جهاد هؤلاء القوم ليلا ونهارا, وسرا وجهرا. وقلت لكم اغزوهم قبل أن يغزوكم. فما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا واجترأ عليهم عدوهم. يا عجبا من أمر يميت القلوب ويجتلب الهم, ويسعر الأحزان من اجتماع القوم على باطلهم وتفرقكم على حقكم. فبعدا لكم وسحقا. يا أشباه الرجال ولا رجال - أما والله لوددت أن لم أركم ولم أعرفكم. فقد والله ملأتم صدري غيظا وجرعتموني الأمرّين أنفاسا, وأفسدتم علي رأيي بالعصيان والخذلان).

            هكذا قال علي بن أبي طالب كما نقل عنه وتحدث أحمد بن داود الدينوري في كتابه (الأخبار الطوال).

            فهل كان علي بن أبي طالب يخاطب قوما انخذلوا عن عدوهم منذ ألف وثلاثمائة وتسعين عاما... أم كان يخاطب قوما جاءوا اليوم بعد كل هذه السنين يفعلون الشيء نفسه, ينخذلون عن عدوهم ويعرضون أنفسهم لمهانة من ضعف الهم والغم. ويسكتون على من غزاهم في عقر دارهم, فذلوا واجترأ عليهم عدوهم, ومع ذلك فقد اتخذوا من الصمت والسكوت وتفرق الرأي سلاحا يواجهون به العدو الذي اجترأ عليهم. فراح يقتل ويذبح ويدمّر ويصنع مآسي دير ياسين وقبية وجنين وصبرا وشاتيلا, ويشق الصفوف بالخديعة والمكر, ويستولي على الأرض تلو الأرض, ويهدم البيوت على أصحابها ليمزّق العرب بعضهم بعضا, وتنقسم جماعاتهم وتنهار وحدتهم, وتنغرس سيوفهم في صدور إخوانهم بدلا من صدور أعدائهم ؟

            هل يعيد التاريخ نفسه حقا ؟

 إن التاريخ الذي خط سطوره المؤرخون العرب القدامى من أمثال أحمد بن داود الدينوري هو مرآة حية لأحداث الماضي كما هي أحداث الحاضر. وهكذا نرى في (الأخبار الطوال) الذي كتبه عام 227 هجرية أي قبل أكثر من ألف ومائتين من السنين.

شيع وطوائف متنابذة

            هكذا يكشف العوامل الذاتية والاتجاهات الشعوبية التي قوضت أركان الكيان العربي وفرّقت المذهب الإسلامي إلى شيع وطوائف متنابذة, نسيت في خضم نضالها السياسي الأهداف السامية التي قامت على تحقيقها الدولة الإسلامية.

            ويتوسع الدينوري في تناول المتاعب التي لحقت بالمسلمين بعد مقتل عثمان بن عفان, ويصوّر حرب صفين مبتدئا بأبرز فصل من فصولها التاريخية, ويفصل في المنافسة بين علي ومعاوية, ويحكي تاريخ الخوارج وما آل إليه أمرهم, ولا يفوته أن يبرز قصة مقتل علي بن أبي طالب على يد عبدالرحمن بن ملجم, وتاريخ الحسين بن علي, فيذكر حياته وأعماله, ويصف معركة كربلاء وصفا دقيقا مؤثرا ومبينا أسبابها, وموضحا تخاذل أهل الكوفة عن نصرة إمامهم الذي دعوه إليهم مما كان له أثره في تفتيت الجبهة العربية, وهو التفتت والتمزّق الذي شهدته الجبهة العربية بعد ذلك التاريخ.

ضرب المسجد الحرام

            ونقرأ في صفحة أخرى من صفحات (الأخبار الطوال) قصة ضرب المسجد الحرام في مكة, وهل أبشع من أن يقوم الحجاج بن يوسف الثقفي بأمر من الخليفة الأموي في دمشق بضرب الكعبة المشرفة بالمنجنيق بعد محاصرة مكة متعمّدا لقتل عبدالله بن الزبير ورجاله بعد رفضه البيعة للخليفة الأموي وإعلان نفسه خليفة على الحجاز والعراق واليمن, وكان قد سبقه إلى مثل ذلك الحصين بن نمير, في عهد يزيد ثم معاوية الثاني, الذي أوقف القتال بعد وفاة معاوية الثاني, وأرسل إلى عبدالله بن الزبير أن الذي أمره بذلك قد أراحنا الله منه, فافعل ما بدا لك. فلما جاء عبدالملك بن مروان وأخرج العراق من وقفته بجانب الزبيريين بالمكر والخديعة والمال, ثم أراد الرجوع بجيشه إلى دمشق دون مقاتلة عبدالله بن الزبير, قام إليه الحجاج يقول: (يا أمير المؤمنين إني رأيت في منامي أني أخذت عبدالله بن الزبير فسلخته فابعثني إليه وولني قتاله).

            وفي الحق أن عبدالملك كان يربأ بنفسه عن مقاتلة أهل بلاد الحجاز. إذ كانت معقلا للعنصر العربي الأصيل وموئلا لبني هاشم الذين لم ينسوا انتزاع بني أمية حقهم في الخلافة, كما كانوا يحقدون على الأمويين نقلهم حاضرة الخلافة من مدينة الرسول إلى دمشق الشام. وهو ما أثار أبناء الصحابة الذين يعارضون مبدأ الوراثة في الخلافة.

            وكان عبدالملك يدرك أن الجيش الذي يوجهه لقتال عبدالله بن الزبير لابد مضطرا إلى غزو مكة وحصار ابن الزبير في الكعبة, فرأى ألا يتحمل هذه المسئولية الخطيرة, ورأى أن يلقيها على قائده الحجاج بن يوسف الثقفي الذي طلبها منه بنفسه..!

            خرج الحجاج في سنة 72 هـ في ألفين من جند الشام قاصدا مكة معقل ابن الزبير, وبدأ الحجاج في مناوشة عبدالله بن الزبير ليقف على قوته الحقيقية وليبث الرهبة والخوف في نفوس أنصاره, وحين أدرك الحجاج ضعف جند ابن الزبير بعث إلى الخليفة عبدالملك يستأذنه في قتال ابن الزبير وحصار الكعبة ويطلب مددا.

 ووافق الخليفة وأرسل إليه مددا من خمسة آلاف جندي, واستعد الحجاج للضرب, ونصب مجانيقه محملة بحجارة من جبل أبي قبيس. في ذلك الوقت كان المسلمون يستعدون لأداء فريضة الحج في ذي القعدة سنة 72 هـ, ونزل الحجاج قرب بئر ميمون وأراد أن يحج بالناس, ولكنه لم يستطع الطواف بالكعبة أو السعي بين الصفا والمروة حيث منعه ابن الزبير من ذلك. فانطلق الحجاج ليأمر بضرب بيت الله بالحجارة.

            ولكن عبدالله بن عمر بعث إليه ينهاه عن قذف الكعبة بحجارة المنجنيق وقال له: (اتق الله يا ابن الثقفي واكفف هذه الحجارة عن الناس, فإنك في شهر حرام وبلد حرام, وقد جاءت وفود الله من أقطار شتى من الأرض ليؤدوا فريضة الله ويزدادوا خيرا, وإن المنجنيق قد منعتهم من الطواف, فاكفف عن الرمي حتى يقضوا ما يجب عليهم بمكة), ورأى الحجاج أن ينتظر حتى ينتهي الناس تماما من الحج.
موقف مشرّف لأسماء

            ما أن انقضى موسم الحج حتى فوجئ أهل مكة بحجارة الحجاج تنقضّ عليهم ويصيب وابل منها جدران الكعبة المشرفة فينهار منها جزء كبير. وتدافع الناس يهربون من الموت الذي أخذ يلاحقهم به ابن الثقفي الذي كان كل همّه أن تصيب حجارته عبدالله بن الزبير ليعلن استسلامه. وصوّر المؤرخ الطبري حرج موقف ابن الزبير فقال: (فلم تزل الحرب بين ابن الزبير والحجاج حتى كان قبيل مقتله وقد تفرق عنه أصحابه وخرج عامة أهل مكة إلى الحجاج في طلب الأمان, ولكن الحجاج ظل يضرب ويعذب حتى أخذت به نشوة الانتصار.

            وذهب ابن الزبير إلى أمه أسماء بنت أبي بكر ينتصحها فقالت له: (إن كنت قد وليتها وأنت تعلم أنك على حق فامض له. فإن قلت كنت على حق فلما وهن أصحابي ضعفت فهذا ليس فعل الأحرار, وكم خلودك في الدنيا? القتل أحسن) ومضى ابن الزبير وانقضّ يهاجم جيش الشام, ولكن لم يلبث أن أصابه حجر في جبينه فسقط صريعا, وأراد الحجاج أن ينكل بابن الزبير بعد أن قطع رأسه وأرسله للخليفة ثم أمر بصلب جثته..!

            ولم يكد الحجاج يأمر بصلب جثمان ابن الزبير حتى بلغته رسالة الخليفة عبدالملك ينهاه عن ذلك ويقول له: (لا يغرنك انتصارك فيفقدك رشدك فافعل فعل الشرفاء ولا ترتكب الدنية, وفك قيد جثمان ابن الزبير عن صليبك وسلّمه لأمه أسماء لتدفن جثة ولدها, ولا تلحق بنا نقمة السماء)

 ــــــــــــــــــــــــ
من فضاء المعرفة